خيرالله خيرالله
لا حاجة إلى الذهاب بعيداً لاكتشاف أنّ حروباً عدة تدور، بمباركة إيرانيّة، في المنطقة العربيّة ومحيطها. تظلّ الحرب الدائرة في العراق أبرزها. ومحورها احتفاظ الميليشيات المذهبيّة العراقيّة بسلاحها. يبدو أن هذا السلاح باقٍ بعدما نجحت «الجمهوريّة الإسلاميّة» في فرضه على العراق والعراقيين. تراجعت حكومة على الزيدي عن آخر سبتمبر المقبل موعداً للانتهاء من سلاح الميليشيات.
في الوقت ذاته، يحاول الحوثيون في اليمن إغلاق مضيق باب المندب عن طريق السعي للعودة إلى ميناء المخا الذي خرجوا منه في العام 2014 بفضل قوات يمنية محلّية. هل ستتمكن إيران من التحكّم بمضيق هرمز في الخليج ومضيق باب المندب، المدخل إلى البحر الأحمر وقناة السويس، عن طريق الحوثيين؟
لم تخف إيران أنّها قررت اللجوء إلى سياسة هجومية في غير مكان. لكنّ يظلّ الأهمّ بالنسبة إلى «الحرس الثوري»، في الوقت الحاضر، استمرار السيطرة على العراق. تدور داخل العراق حرب حقيقية اتخذت طابع تجاذبات محورها سلاح الميليشيات المذهبية التابعة لـ«الحرس».
يفسّر تمسّك «الحرس» بـ«الحشد الشعبي» وسلاحه كل هذا التركيز الإيراني على العراق البلد الذي بات يصلح لاستخدامات إيرانية مختلفة تصبّ في مصلحة النظام في طهران. بين ما يصلح له العراق تمويل جزء من الموازنة الإيرانيّة.
قبل أيام قليلة جاء حاكم البنك المركزي الإيراني إلى بغداد للمطالبة بمبلغ 12 مليار دولار ثمن غاز إيراني لإنتاج الكهرباء. نسي الإيرانيون أنّ إغلاق مضيق هرمز يحرم العراق من تصدير جزء كبير من نفطه، أي أن إغلاق المضيق يكلّف بغداد خسارة مليارات الدولارات.
تطالب إيران، العراق، بمليارات الدولارات فيما تريد منعه من تصدير الجزء الأكبر من نفطه لأسباب خاصة بها. تعود هذه الأسباب إلى أن المضيق صار السلاح الأقوى لإيران في المواجهة التي تخوضها مع الولايات والتي بات العراق من بين ضحاياها.
بعيداً عن مدى استفادة «الجمهوريّة الإسلاميّة» من موارد العراق، خصوصاً من نفطه، لايزال العراق يمثل الجائزة الكبرى التي حصلت عليها طهران كهديّة من الولايات المتحدة، التي أصرّت عام 2003 على تسليم العراق على «صحن من فضّة» إلى طهران.
تريد الإدارة الأميركيّة في هذه المرحلة بالذات استعادة العراق من إيران. ثمة تجاهل أميركي تام لواقع يتمثّل في أن من يحكم العراق منذ 2003 هو الميليشيات المذهبيّة التابعة لـ«الحرس» التي قاتلت الجيش العراقي في حرب السنوات الثماني (1980 - 1988).
تحكّمت الميليشيات بمفاصل النظام العراقي وحالت دون أي اصلاح حقيقي يجعل من العراق دولة طبيعية توازن في علاقاتها بين إيران ومحيطها العربي. هناك واقع عراقي تتجاهله إدارة دونالد ترامب.
تخلّصت إدارة جورج بوش الابن، من نظام صدّام البعثي - العائلي. كان ضرورياً التخلّص من ذلك النظام الدموي والغبي في الوقت ذاته، لكنّ شرط معرفة من الذي سيخلفه. تسعى إدارة ترامب، في الوقت الحاضر إلى معالجة آثار كارثة حلّت بالعراق الذي صار مطلوباً منه أن يكون خنجراً في خاصرة الأمن العربي. من أراضيه تنطلق اعتداءات على السعودية والكويت. منه تستهدف أماكن معيّنة في إقليم كردستان العراقي.
ليس صدفة أنّ محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني حرص على بدء زيارته الأخيرة للعراق بالتوقف عند النصب الذي أقيم لقاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الذي اغتاله الأميركيون مع أبومهدي المهندس نائب قائد «الحشد الشعبي» بعيد مغادرتهما مطار بغداد مطلع 2020.
جاء قاليباف، إلى بغداد ليؤكد معارضة طهران لنزع سلاح الميليشيات، خلافاً لما تسعى إليه حكومة الزيدي، التي وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه.
لم يقل قاليباف، ذلك صراحة. لكن زيارته لنصب سليماني، حيث ألقى كلمة مجّد فيها «المقاومة»، تعني الكثير. لعلّ أول ما تعنيه أنّ «الجمهوريّة الإسلاميّة» مازالت تعتبر العراق «ساحة» تابعة لها، بل ورقة أساسيّة في الحرب الصامتة أحياناً، والصاخبة في أحيان أخرى، الدائرة مع إدارة ترامب، وهي حرب تتخللها مفاوضات علنيّة أو سرّية بين حين وآخر!
صار في الأمكان اعتبار العراق جزءاً لا يتجزأ من الحروب الدائرة في المنطقة، وهي حروب تمتد من اليمن، إلى مضيق هرمز، إلى دول الخليج العربي التي تتعرّض لاعتداءات إيرانية... إلى جنوب لبنان. من ستكون له الكلمة الأخيرة في العراق؟ إلى أي حدّ تستطيع إيران ممارسة ضغوطها؟ أي قدرة لحكومة الزيدي على الصمود في مواجهة الميليشيات المسلّحة؟
تلك هي أسئلة المرحلة المقبلة التي محورها العراق نفسه حيث تدافع إيران عن نظامها، وحيث تريد تأكيد أن لا عودة إلى خلف، أي إلى ما قبل 2003. هل في استطاعة إدارة ترامب، إصلاح خطأ تاريخي غير كلّ التوازنات في الشرقين الأوسط والأدنى وفي منطقة الخليج؟

