: آخر تحديث

الناجحون لايتقاعدون!

2
3
3

صيغة الشمري

التقاعد قرارٌ إداري، أما النجاح فهو أسلوب حياة لا يعرف تاريخ انتهاء. فالناجحون لا يتقاعدون، لأن رسالتهم في الحياة أكبر من أن تُختزل في وظيفة، وأعمق من أن تنتهي بخروجهم من مكاتبهم أو تسليم بطاقاتهم الوظيفية، الإنسان الناجح لا يقيس قيمته بما يشغله من منصب، بل بما يتركه من أثر. وحين يطوي صفحة العمل الرسمي، فإنه يفتح أبواباً جديدة للعطاء، فالعقول التي صنعت الإنجازات لا تشيخ، والخبرات التي تراكمت عبر السنين لا يجوز أن تُحال إلى التقاعد، بل إن كثيراً من العظماء بدأت أعظم إسهاماتهم بعد سن التقاعد، حين تحرَّروا من قيود الوظيفة وانطلقوا نحو فضاءات أوسع من التأثير والإبداع، إن المجتمعات المتقدمة لا تنظر إلى المتقاعد بوصفه شخصاً انتهى دوره، تعتبره ثروة وطنية وخزاناً من المعرفة والتجربة. فالسنوات الطويلة التي قضاها في ميادين العمل هي رأس مال فكري وإنساني يجب أن يُستثمر في التعليم والتدريب والاستشارات والعمل التطوعي وريادة الأعمال وخدمة المجتمع، التقاعد نهاية الوظيفة، لكنه ليس نهاية الرسالة. فالإنسان الذي اعتاد أن يصنع الفرق لن يقبل أن يكون متفرجاً على الحياة. إنه يغيِّر موقعه فحسب من القيادة إلى الإلهام، ومن الإدارة إلى التوجيه، ومن صناعة الإنجاز إلى صناعة الأثر.

ولعل الخطأ الأكبر أن يربط الإنسان بين الوظيفة والحياة، فيظن أن انتهاء الأولى يعني أفول الثانية. فالحياة لا تتقاعد، والشغف لا يتقاعد، والطموح لا يتقاعد. ومن اعتاد أن يكون منتجاً ومؤثِّراً سيظل كذلك ما دام قادراً على التفكير والعطاء.

إن الناجحين لا يبحثون عن الراحة بقدر ما يبحثون عن المعنى. فالتقاعد بالنسبة لهم ليس محطة وصول، بل نقطة تحول من مرحلة إلى أخرى أكثر نضجاً وحرية. إنهم ينتقلون من صناعة الإنجاز إلى صناعة الإنسان، ومن إدارة الأعمال إلى صناعة الأثر. ولهذا يمكن القول إن الناجحين لا يتقاعدون، وإنما يغيِّرون مواقعهم في ميدان الحياة. فالعطاء ليس وظيفة تنتهي، بل رسالة تستمر ما دام القلب نابضاً، والعقل متقداً، والروح مؤمنة بأن أجمل ما في الحياة أن يبقى الإنسان نافعاً ومؤثِّراً حتى آخر يوم من عمره.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد