: آخر تحديث

وضوح الموقف

2
2
2

المواقف تُختبر في لحظات التحول، لكن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بما تواجهه من ضغوط، بل بقدرتها على الاحتفاظ باتجاهها عندما تتغير الظروف. وفي منطقة شهدت خلال العقود الماضية تحولات متسارعة في التحالفات والأولويات، بقي الموقف السعودي من القضية الفلسطينية أحد أكثر المواقف ثباتًا واتساقًا.

ولذلك، كلما عاد الحديث عن التطبيع إلى الواجهة، عادت معه محاولات لتفسير الموقف السعودي خارج إطاره المعلن، رغم أن المملكة لم تترك مجالًا كبيرًا للاجتهاد، فقد أكدت باستمرار أن السلام خيار استراتيجي، لكنه لا ينفصل عن قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك الأساس لتسوية عادلة وشاملة.

ولا يعكس هذا الموقف حسابات سياسية آنية أو استجابة لمتغيرات مرحلية، بل يعبر عن نهج راسخ يقوم على معالجة جذور الصراعات لا الاكتفاء بإدارة نتائجها، ولهذا لم يكن ثباته تعبيرًا عن جمود، بل عن قناعة بأن أي سلام لا يقوم على العدالة واحترام الحقوق لن يكون قابلًا للاستمرار.

ووفق هذا النهج جاءت مبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة عام 2002، لتقدم رؤية متكاملة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وتربط تحقيق السلام بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، ومنذ ذلك الوقت، بقيت هذه الرؤية المرجعية التي تقيس المملكة من خلالها أي حديث عن السلام أو التطبيع.

وانعكس هذا النهج كذلك على مقاربة المملكة لمختلف أزمات المنطقة، حيث ظل الحوار، والحلول السياسية، وخفض التصعيد، خيارات ثابتة في سياستها الخارجية، انطلاقًا من قناعة بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بالحلول الدبلوماسية التي تعالج أسباب الأزمات.

وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، خلال مشاركته في الدورة السادسة عشرة لملتقى الخليج للأبحاث، أن تحقيق الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يعتمد على القوة العسكرية، وإنما يتطلب حلولًا دبلوماسية مستدامة تعزز الحوار والعمل المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وعلى هذا الأساس، يظل الحديث عن التطبيع، في الرؤية السعودية، مرتبطًا بتحقيق السلام العادل والشامل، وليس مطروحًا بمعزل عنه. ولذلك بقي قيام الدولة الفلسطينية الركيزة التي يقوم عليها أي تقدم نحو سلام مستدام، باعتبارها المدخل إلى تسوية عادلة تضع حدًا للصراع وتفتح الطريق أمام استقرار المنطقة.

إن وضوح الموقف السعودي لم يكن يومًا نتاج ظرف سياسي، بل ثمرة رؤية متسقة حافظت على مبادئها رغم تغير المشهد الإقليمي والدولي. ولهذا ظل هذا الموقف واضحًا لمن أراد قراءته كما هو، لا كما تفرضه التأويلات؛ لأن السلام، في المنظور السعودي، لا يُبنى على الأمر الواقع، وإنما على العدالة والحقوق، باعتبارهما الضمانة الوحيدة لاستقرار مستدام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد