: آخر تحديث

مارشيلو الأب والابنة

1
2
2

يقول المثل: «من شابه أباه فما ظلم». لكن كيارا ماستروياني ولدت من ورطة مزدوجة. أبوها هو النجم الإيطالي مارشيلو ماستروياني وأمها هي النجمة الفرنسية كاترين دينوف. كبرت البنت واشتغلت ممثلة. استفادت من الاسمين الشهيرين لكنها فشلت في تحقيق بعض مما حققاه. ولا ضرورة لإعادة السؤال: هل تورث الموهبة أم تُكتسب؟

كيارا اليوم في الرابعة والخمسين. تبدو أصغر بكثير. شاركت في أفلام عديدة. ويبقى أفضل أدوارها ذاك الذي أدّته قبل سنتين في فيلم بعنوان «مارشيلو خاصّتي». والحقيقة أن كل ما في الفيلم يخصّها ويقترب منها اقتراب الرمش من العين. وليس من شريكة لها في البطولة سوى والدتها كاترين دينوف، بكل شنّتها ورنّتها.

يبدأ الفيلم بمنتجة معتوهة تحاول استغلال اسم كيارا لكي تقدم نسخة جديدة من فيلم «لا دولتشي فيتا». كان مارشيلو ماستروياني هو بطل ذلك الفيلم الإيطالي الشهير الذي أخرجه فيليني، عام 1960. يومها وقفت أمامه فاتنة تدعى أنيتا إكبرغ، جاءت إلى السينما بعد أن فازت بلقب ملكة جمال السويد. لكن كيارا، نحيلة وذات شعر أسود قصير. لا تتمتع بشيء من استدارات نجمة الإغراء السويدية.

فرض عليها الدور أن تضع شعراً ذهبياً مُستعاراً. وأن تخوض بفستان السهرة في نافورة «تريفي» في روما. كان تقليداً ممسوخاً لمشهد رائع دخل تاريخ السينما الإيطالية والعالمية. وتنتهي المغامرة بتحول كيارا إلى فرّوجة بائسة منقوعة بالماء، ترتعش من قمة باروكتها حتى أخمص قدميها الحافيتين.

بعد ذلك الدور المفتعل تقرر الممثلة الشابة أن تقبض على مصيرها بيدها. كانت تعيش أزمة هوية. فلا هي تملك جمال دينوف، ولا موهبة ماستروياني. تسائل نفسها أمام المرآة فترى أنها نسخة من أبيها في شبابه. النظرة الجريئة السافرة هي نظرته. والأنف أنفه. وحتى الشامة على الخد شامته. وعدا الشكل فإن هناك تماثلاً في الشخصية. كأن روحه، عندما فارقت جسده، استقرت في جسدها.

وفي لحظة تمرّد قررت أن تكون هو. ارتدت بدلة رجالية سوداء وقميصاً أبيض وربطة عنق. مشّطت شعرها إلى الخلف واستعانت بقبعة من التي يستخدمها الرجال المتأنقون. وكانت والدتها أول من استغرب رؤيتها في تلك الصورة. لكنها تواطأت معها. ثم كان على كيارا أن تنزل إلى الشارع وتراقب ردود أفعال الناس عندما يشاهدونها. هل بينهم من يستدير متوهماً أن ماستروياني عاد إلى الحياة؟

يقوم الفيلم الذي أخرجه كريستوف هونوريه على حوارات داخلية شاعرية وفلسفية، تدور بين البنت وأبيها. أي بينها وبين نفسها. كأن كيارا عثرت في داخلها على الأب الذي انفصل مبكراً عن والدتها ولم تعش معه حياة عائلية حقيقية. تمضي في التنكر وتتبنى حركاته وابتسامته ولفتاته. ويشتبه الأمر على أصدقائها. صاروا ينادونها باسم أبيها. ذابت كيارا في كيان مارشيلو. لكنها كانت سعيدة، أخيراً، ومتصالحة مع نفسها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد