بعد 38 يوماً من المنافسات والإثارة وخوض 104 مباريات على 16 ملعباً وبمشاركة 48 فريقاً، أسدل الستار على النسخة الـ23 من كأس العالم لكرة القدم FIFA World Cup والتي أقيمت في 3 دول لأول مرة في تاريخ هذا المونديال الشهير وهي أمريكا وكندا والمكسيك. كانت البداية في جمهورية الأوروغواي الشرقية والتي تُعرف اختصاراً بالأوروغواي قبل 96 عاماً وتحديداً في عام 1930، حيث حقق منتخبها اللقب الأول في هذه البطولة العالمية الأكبر لكرة القدم وذلك بمشاركة 13 دولة بدون تصفيات مؤهلة وهي منتخبات أوروغواي والأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وتشيلي وباراغواي وبيرو والولايات المتحدة والمكسيك وبلجيكا وفرنسا ورومانيا ويوغوسلافيا.
قبل 3 أيام، انتهت الحفلة الأضخم والأشهر والتي تُشاهدها وتتابعها المليارات من البشر في كل أنحاء الكرة الأرضية. فازت إسبانيا بكأس العالم 2026 للمرة الثانية في تاريخها بعد أن هزمت الأرجنتين الطامحة لإضافة لقبها الرابع، ليلتقي عشاق هذه الساحرة المستديرة في كل أصقاع العالم بعد 4 سنوات (عام 2030) في مئوية هذا المونديال الشهير وهي النسخة الـ24 والتي ستكون في 3 دول وهي المغرب والبرتغال وإسبانيا.
بعد هذا السرد التوثيقي المختصر لهذا المونديال الذي يُعدّ التظاهرة الجماهيرية والإعلامية الأكبر على وجه الأرض، هذا بالإضافة لتأثيراته وأبعاده الاقتصادية والثقافية الضخمة والمهمة، بعد هذا السرد المكثّف والذي استحوذ على كل المقدمة، بل وتسلل بكل سرعة ومراوغة إلى دفاعاتها وهجماتها، تماماً كما لو كان رأس حربتها الذي يُسجّل بفنٍ أهدافها.
يُحدد عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرغر سر الهوس الجماهيري ببطولة كأس العالم، في دراسته «كرة القدم كطقسٍ وزاوية نظرٍ للعالم»، حيث يقول: «يكمن سحر كرة القدم في قدرتها الفذة على تجسيد القيم الأساسية التي تشكّل المجتمعات الحديثة. إن هذه الرياضة تحتفي بالجدارة، والأداء، والمنافسة، والعمل الجماعي، وتكافئ الموهبة والاجتهاد، مع الاعتراف بوضوح في الوقت ذاته بأدوار الحظ والنصيب التي هي بالمثل تؤثر في حياة الإنسان».
كرة القدم بكل بطولاتها ومنافساتها وتفاصيلها الجذابة، لاسيما كأس العالم وهو بطولتها الأثيرة والمثيرة، تعرضت للكثير من الانتقادات والاتهامات، هذا فضلاً عن الإشادات والتفاعلات، فهناك من وضعها في صدارة قوائم المتعة والسعادة التي تبحث عنها المجتمعات والشعوب، وهناك من صنفها من أهم القوى الناعمة التي توحد الشعوب والأمم وتحرّك الاقتصادات والمليارات، وهناك من ارتقى بها إلى سلالم ومداميك التطور والإبداع، وهناك من آمن بها كفعل ثقافي واجتماعي يصنع حالة من الارتباط والالتقاء بين الثقافات والأعراق، وهناك من وضعها في خانة / وظيفة الإلهاء لتُخفف من حالة الاحتقان والضغط، وهناك من وصفها بأجمل العبارات، وحمّلها أعظم وأنبل الأدوار والأبعاد، وفي المقابل هناك من شيطنها ووصمها بأبشع الصفات والآثار.
كرة القدم، وخاصة نجمها / مونديالها الأكبر والذي حطم كل الأرقام والألقاب، تحولت إلى منظومة دولية كبرى ميزانيتها بالمليارات وتأثيراتها تفوق التخيلات.

