: آخر تحديث

كيف تحوّلت «أنا أخوك» إلى أعظم خيمة لجوء في التاريخ؟

4
4
4

محمد ناصر العطوان

حين يُخبرنا القرآن الكريم أن قصة يوسف، عليه السلام، هي «أحسن القصص»، فنحن هنا لسنا أمام نهاية سعيدة ينتصر فيها الخير على الشر كما في حكايات الجدات... نحن هنا أمام «تشريح نفسي» عميق للنفس البشرية في أضعف حالاتها وأقواها، وفي أسوأ قيعانها وأعلى عروشها.

ولكن، وسط كل هذه الأحداث الجِسام، من الجب المظلم، إلى فتنة قصر العزيز، إلى ظلمة السجن، ثم الجلوس على خزائن الأرض... هناك لقطة تحمل كثافة عاطفية تكفي لإذابة جبال من الجليد. إنها يا سادة اللحظة التي التقى فيها «الضحية القديمة» بـ«الضحية الجديدة»... اللحظة التي قرّر فيها يوسف، أن يرفع الستار الحديدي للسلطة، ليضم شقيقه الأصغر بنیامين... مظلوم يؤوي مظلوماً.

تخيل معي المشهد يا سيدي القارئ...

نحن الآن في أروقة قصر الحكم في مصر. الجدران شاهقة، الحراس مدججون بالسلاح، البروتوكول صارم لا يسمح بالأنفاس العالية... يقف الإخوة القادمون في حالة من الانبهار الممزوج بالرعب وفي وسطهم يقف «بنيامين»، الأخ الأصغر، والشقيق الوحيد ليوسف من أمه وأبيه.

هذا الفتى عاش حياته كلها كتعويض مكسور لأب فقد بصره من الحزن، عاش تحت رحمة إخوة كبار يحملون في قلوبهم قسوة أثبتتها الأيام، هو، كشقيقه الغائب، كان يحمل جينات المغضوب عليهم في تلك العائلة... جاء إلى مصر خائفاً، مسلوب الإرادة، ومحاصراً بنظرات إخوته الذين لا يثقون به ولا يثق بهم، ورغم ذلك سار معهم كما سار يوسف من قبل.

وفي اللحظة التي دبّر فيها يوسف الحيلة ليختلي بشقيقه الأصغر بعيداً عن عيون الإخوة (قبل ترتيب مشهد السرقة الشهير لاحقاً للإبقاء عليه)، انهار جدار «عزيز مصر»، وظهر «يوسف الإنسان».

القرآن لا يستخدم الكلمات عبثاً. لم يقل «عانق أخاه» أو «ضم أخاه» أو «احتضنه». بل قال تعبيراً يحمل ثقل الجبال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وكلمة «آوى» هنا هي مفتاح المشهد كله... المأوى لا يُطلب إلا في حالات التشرد والخوف الشديد والبرد القارس، ويوسف هنا لم يكن يقدم عناقاً جسدياً فقط، بل كان يفتح «خيمة لجوء» روحية ونفسية لأخيه... كأنه يسحبه من عاصفة رملية استمرت لسنوات طويلة، ليدخله في دفء الأمان المطلق.

الضحية الذي رُمي في البئر وحيداً، أصبح اليوم يملك السلطة والقدرة على أن يكون هو «البئر الآمنة» لشقيقه المستضعف... إنها لحظة تبادل للأدوار الكونية؛ مَنْ كان بالأمس يبحث عن يد تنتشله من الجُب، أصبح اليوم هو اليد التي تنتشل شقيقه من جُب الغربة والخوف.

وعندما أصبح بنیامين، في هذا المأوى، همس يوسف في أذنه بالسر الأعظم: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تأمل معي ترتيب الجملة؛ «أنا أخوك»... إعلان هوية ينسف كل المسافات ويسقط كل الألقاب، ولم يقل له «أنا عزيز مصر»، بل عاد إلى نقطة الصفر، نقطة الدم والرحم التي طالما حاول الإخوة قطعها، ليقدم العلاج النفسي قبل الحل السياسي.

ثم تأتي الجملة الأهم: «فلا تبتئس بما كانوا يعملون».

يوسف، وهو الخبير بلوعة الظلم، يعرف أن أشد ما ينهش روح بنیامين، ليس خوفه من المستقبل، بل تراكمات الماضي... الحزن المكتوم، الإهانات اليومية، الشعور الدائم بأنه «ثقيل» على إخوته... يوسف، هنا يمسح على قلبه المكدوم ويقول له: توقف عن الحزن، لقد انتهت اللعبة، وآن أوان الجبر.

في هذا العناق السري في زوايا القصر، تلخصت حكاية الظلم البشري والعدل الإلهي.

الإخوة في الخارج يظنون أنهم يتحكمون في المشهد، يخططون ويتآمرون، بينما في الغرفة المجاورة، تدير السماء مشهد الجبر الأعظم... المظلوم القوي يربت على كتف المظلوم الضعيف، ويخططان معاً لقلب الطاولة بذكاء وشرعية (عبر حيلة الصواع لاحقاً) ليظل بنیامين، في هذا المأوى ولا يعود إلى جلاديه.

هذه اللحظة التاريخية تخبرنا بأصدق حقيقة إنسانية... وهي أنه حين يُمكّن الله للمظلوم، فإنه لا يتحوّل إلى جلاد قاسي القلب، بل يتحوّل إلى «مأوى» لكل مَنْ ذاق نفس الكأس.

يوسف، لم يستعرض عضلات سلطته على أخيه الأصغر ليعوض نقص طفولته، بل اختزل كل سلطانه ونفوذه في ضمة دافئة، وهمسة أعادت ترتيب نبضات قلب كان يرتعد من الخوف.

هكذا عزيزي القارئ تُصاغ «أحسن القصص»... ليس بالسيوف والجيوش الجرارة، بل بتلك اللحظات الهشة، المليئة بالدموع، التي يستند فيها الخائف على كتف المظلوم الذي أصبح عزيزاً، ليجدا معاً أن الله... كان دائماً هو المأوى الأول والأخير... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... إبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد