يعتقد كثيرون بأن سوريا لم تشهد في تاريخها موجة نزوح وهجرة على نحو ما حدث بعد اندلاع ثورة عام 2011 وحتى اليوم قريباً من منتصف عام 2026، ولهذا الاعتقاد ما يبرره؛ وأبرز التبريرات أن عدد من نزحوا وهاجروا تجاوز 14 مليون نسمة، شكلوا نحو ثلثي سكان سوريا وفق أرقام عام 2010، وهذا لم يحصل على الأقل طوال القرن الماضي بكل ما شهده من أحداث في الداخل وفي المحيط الإقليمي، وبينها في الداخل انقلابات وصراعات دموية مثل عنف السبعينات والثمانينات بين النظام وخصومه، وفي المحيط حروب دخلتها سوريا أو شاركت فيها؛ منها الحروب العربية - الإسرائيلية في 48 و67 و73، والتدخل السوري العميق والمديد في الحرب اللبنانية، وقد استمر نحو نصف قرن، حاربت فيه قوات الأسد ضد كل الأطراف هناك.
وأحاطت ظروف صعبة وقاسية بموجة النزوح والهجرة؛ سواء التي تمت في الداخل السوري أو باتجاه شتات خارجي واسع، خصوصاً من حيث أسبابها، والأهم فيها أنها جزء من حرب نظام الأسد ضد الشعب، وتهجير جماعي في مخطط تغيير ديمغرافي، وفيها أيضاً أنها جرت تحت تهديد القتل والاعتقال الأسوأ منه، إضافة إلى أنها واجهت عجزاً إقليمياً ودولياً في القدرة على استيعابها وتلبية احتياجات الحدود الإنسانية الدنيا لملايين، تركوا دون أي سند، وحتى الذين تم إسنادهم بصورة أو أخرى من لاجئين ومقيمين برعاية أقاربهم ومعارفهم في بلدان عدة، لم تكن أمورهم مستقرة تماماً ودائماً، وقضى نحو 6 ملايين من النازحين في بلدان الجوار والقريبة منها، سنوات طويلة وصعبة في مخيمات بائسة تحت سلطة طبقت سياسات أمنية شديدة، عبرت عن عداوات سياسية ضد اللاجئين.
وسط ظروف النزوح والهجرة، كانت التقديرات تتجه للقول إن سقوط نظام الأسد سيؤدي حتماً إلى عودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، والانخراط في معركة تطبيع حياتهم التي دمرت الحرب معظم معالمها الإنسانية والمادية، إن لم نقل كلها، ولعل هذا يفسر موجات الفرح والأمل التي أطلقها السوريون بعد هروب بشار الأسد وأركانه، وإعلان السلطة الجديدة.
وللحق، فإن عودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، ليست حلماً أو رغبة؛ بل هي عمل مربوط بما هو عليه الحال والواقع والطموحات، ليس للشخص والعائلة الراغبين في العودة، إنما أيضاً بالنسبة للمكان الهدف من جهة، والبيئة العامة في البلد وواقع السلطة من جهة ثانية، وخلاصة العوامل الثلاثة هي التي تجعل العودة ممكنة.
أغلب الراغبين في العودة لا يملكون قدرات وإمكانات مادية تساعدهم في العودة والعيش بسوريا، هذا حتى إذا كانت بيوتهم وعقاراتهم قابلة للسكن والاستخدام، إضافة إلى أن فرص وظروف العمل سواء لدى القطاع الخاص الذي يعيش أوضاعاً صعبة، أو لدى الدولة ومؤسساتها التي اعتاد قطاع كبير من السوريين العمل لديها، وهي أكبر رب عمل، وتشغل مؤسساتها حيزاً مهماً في مختلف القطاعات الخدمية والإنتاجية، وهذه الحقيقة اختفت من الواقع السوري، لأن سنوات حرب النظام الطويلة دمرت، وعطلت بصورة كلية أو جزئية أغلب مؤسسات الدولة الإنتاجية والخدمية، وقتلت وسجنت، وهجرت الكثير من خبراتها وكوادرها، وبعد إسقاط النظام في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أجهزت السلطات الجديدة على كثير من مؤسسات الدولة، خصوصاً ما اتصل منها بالجيش والأجهزة الأمنية، التي فرط عقدها، وكأنها لم تكن.
ولأسباب عدة أبرزها العقوبات الدولية، وعدم توفر الإمكانات المادية والكوادر والخبرات، فقد سارت الدولة ببطء في إقامة مؤسسات وهياكل جديدة وبديلة، وعجزت عن إصلاح وتشغيل أغلب ما بقي من مؤسسات النظام البائد وبناء مؤسسات جديدة، وبالنتيجة ساء الوضع في ميادين العمل وقطاعاته، وزاد الوضع سوءاً في سوق العمل وارتفعت البطالة، وهذه بعض أسباب منعت عودة واسعة للنازحين واللاجئين، بل إن الأسباب ذاتها دفعت سوريين ممن بقوا في البلاد خلال سنوات الثورة وحرب النظام، إلى السعي للخروج إلى أي بلد للعمل والعيش، وربما للاستقرار هناك، نتيجة ما حصل من تطورات أمنية وسياسية بعد سقوط النظام، ومنها أحداث الساحل والجنوب في السويداء، والصراع مع «قسد» في شمال وشمال شرقي سوريا الذي وإن انتهى إلى اتفاق، لكنه ما زال محاطاً باحتمالات سلبية، يرغب أغلب السوريين في ألا تحدث.
لقد صارت أسباب عدم عودة السوريين إلى مدنهم وقراهم في جملة أسباب تدفع بعض سوريي الداخل للتوجه نحو الخارج، وغالباً فإن الوضع سوف يتفاقم في ظل وقائع بينها ارتفاع الأسعار والتضخم وزيادة معدلات الفقر وصعوبات الحياة الأخرى، ما لم يحدث تدخل قوي وفاعل من جانب الحكومة التي لا شك أنها لمست جوهر المشاكل التي تمنع البلاد من نهوض حقيقي، من بين خطواته المهمة استعادة أبنائها من الشتات الذين يشكلون الحيز الأهم من قدراتها وثرواتها، ومنع آخرين من الالتحاق بهم في مسار اغتراب جديد، وكلاهما سيسهم في أخذ سوريا والسوريين إلى مستقبل من النمو والتقدم مقروناً بالعدالة والمساواة.
إن تدخل السلطة المطلوب خليط من سياسات وإجراءات إصلاحية، في باب الأولى انتقال إلى سياسة معلنة وفق خطط وأهداف واضحة وقابلة للقياس والتعديل لإنهاض القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، وتلبية احتياجات نموها برعاية المنتجين ومشروعاتهم، ورفع قدرات العاملين وإعادة تأهيل مؤسسات الخدمة وتأمين حماية أسواقها الوطنية، وتعزيز فرص تحولها عملية الإنتاج من الاكتفاء إلى إنتاج تصديري منافس.
وثمة حاجة ملحة؛ وهي تقييد التوجه نحو مشروعات غير ذات تأثير عميق على البنية الاقتصادية الاجتماعية.

