: آخر تحديث

بين متوسط الأجر وسعر المتر نحتاج غربلة الاستثمار الكسول!

3
3
3

حسن اليمني

نقطة الارتكاز في هذا المقال تبحث الاهتمام بإعادة النظر والقراءة في تركيبة المعطيات المختلفة تلك التي أعطت الأرض قيمة استثمارية مربحة ومكسبة على حساب قدرة دخل الفرد، إذ يبدو أن هناك أولويات ونسب أهمية في مسار التطور والنهوض والترقي للوطن ككل، ربما ظهرت أو نشأت من خلاله هذه الفجوة أو المسافة في قوة التأثر وسرعته بين متر الأرض ومتوسط الأجر.

في تقرير اقتصادي لجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 16 أبريل لهذا العام ظهر أن صادرات الوطن غير النفطية بلغت 624 مليار ريال، وهو رقم رائع في مسيرة الرسم الاستراتيجي لرؤية 2030، لكن بذات الوقت لم يتجاوز متوسط الدخل للمواطن السعودي (5893) ريالا، في حين وصل سعر متر الأرض في بعض المدن مبلغ (4000) ريال، وبالتمعن في هذه الأرقام ربما جاز التساؤل حول تقارب متوسط الأجر مع سعر متر الأرض في عدم اتساق بشكل متوازن مع عظمة النجاح في ترقية الصادرات غير النفطية، فأين الإشكالية؟

لا شك أن للتطور الحضري والنهوض الاقتصادي ثمنا يحسب للمدن، ولا شك أيضا أن لهذا التطور والنهوض والترقي كلفة من موازنة الدولة العامة استخدم لمصلحة المواطن، لكن ما يشغل التفكير هو قوة الأثر وسرعة تمدده للأعلى في سعر متر الأرض دون أن يرافقه متوسط الأجر الشهري ولو بنصف تلك القوة والأثر والسرعة، وأفهم أن هذا تساؤل ليس محصوراً في تكوينه بالاقتصاد ولا طبيعة منطقه، لكنه ربما تأمل فلسفي يبحث في منطق الأشياء عن عدالة تحكم تركيبتها معطيات أخرى هي في الأصل عادلة وطبيعية، ربما نحتاج ابتداءً إلى إعادة النظر في نوعية أمرين لهما العلاقة الوطيدة في التأثير على متوسط الأجر الشهري وهما:

نوعية هذه الصادرات، ومدى انعكاسها على متوسط الأجر الشهري للمواطن.

سر قوة إغراء السوق العقاري، وكيفية تحويله إلى مال منتج.

السياسة العامة سارعت في معالجة إشكالية ارتفاع سعر المتر السكني من خلال إجراءات عظيمة مثل توفير أراض سكنية بأسعار – تكاد تكون معقولة – بهدف سد الفجوة بين سعر المتر السكني وقدرة الأجر الشهري، وتثبيت سعر المؤجر مع فرض رسوم للأراضي البيضاء، بما يحقق على المدى القصير نتائج ملموسة في تضييق فجوة الفارق بين القيمة والقدرة، وطبيعي ان لا تحقق هذه الإجراءات نتيجة حاسمة وفورية لكنها أعطت نتيجة لافتة في انخفاض نسبي على سعة هذه الفجوة.

ربما كان من الضروري التركيز أكثر على فتح المجال الاستثماري لتنشيط وتفعيل جذب تجار العقار نحو بديل مكسب ومربح وأكثر إغراء، -على سبيل المثال- لو تمت إعادة توجيه الاستثمارات أو بمعنى أصح تسهيل وفتح مجالات أكثر جاذبية وربحية في القطاعات الإنتاجية وتخفيض مخاطرها بمشاركة صندوق الاستثمارات، مثل:

مشاريع البنية التحتية والخدمات: تحويل استثمار البنى التحتية والخدمات من القطاع العام إلى الخاص يوسع سوقا استثماريا جاذبا من تجارة العقار إلى تفاعل نشط ومؤثر في الاقتصاد الوطني.

الصناعات التحويلية: تسهيل ودعم التصنيع في الآلة والمحركات وقطع الغيار - ميكانيكا، كهرباء واليكترون – يساعد في تحويل الاستيراد إلى تصدير والاستهلاك إلى انتاج.

الزراعة الحديثة وتصنيع الغذاء: التوسع أكثر في تمليك القطاع الخاص للأراضي الزراعية وتصنيع منتجاتها يوسع فرص الاستثمار المحلي ويساعد في جذبه من إغراء الاستثمار العقاري، ويعطي فوائد أكبر وأمضى للاقتصاد الوطني.

التعدين واستغلال الموارد: تملك مواقع الثروات المعدنية وتصنيعها للقطاع الخاص سيكون رافدا قويا للاقتصاد ومحفّزا أكثر جاذبية وإغراء من اكتناز الأراضي.

الخدمات اللوجستية والموانئ والنقل: فُتح المجال للقطاع الخاص في النقل الجوي، فماذا عن النقل البري – على سبيل المثال - من خلال إنشاء السكك الحديدية بين المدن والقرى المجاورة، ربما لو منحت وزارة النقل المسارات الأرضية مجاناً فإن هذه المشاريع ستكون اكثر جاذبية وإغراء من اكتناز الأراضي، أضف إلى ذلك تشغيل الموانئ البحرية والجوية.

عندما تصبح هذه المجالات أكثر إغراء وربحية، ستتجه إليها الأموال تدريجيا بديلا عن بقائها مجمدة في الأراضي، ومع هذا التحول، يحدث ثلاثة أمور مهمة:

أولاً: تتولد وظائف وفرص دخل جديدة.

ثانيا: تتراجع جاذبية وإغراء سوق الأراضي، فتستقر الأسعار بشكل طبيعي.

ثالثا: يرفع نسب الصادرات غير النفطية في الإيراد العام ويحقق نموا اقتصاديا إنتاجيا مستمرا.

إن النشاط التجاري ينقسم إلى قسمين: قسم نشط وفعال بحكم أنه منتج ورافد داعم للبناء الاستراتيجي للدولة، وقسم كسول قليل المخاطر، كتجارة العقار واستيراد المواد الاستهلاكية بدل تصنيعها مثل المركبات والآلات والمحركات، وهذا القسم الثاني في حال تحويله إلى مال منتج سيعطي حراكا نهضويا فعالا حتى للفرد في وعيه وفكره وبنفس الوقت يخدم الاقتصاد الوطني ويرفع مكانته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد