: آخر تحديث

الذي يتفاءل بالخير يجده

2
3
2

بات أمراً مألوفاً العدوان الإسرائيلي اليومي على مناطق جنوب لبنان. كما بات أمراً مألوفاً التحليق الجوي لطائرات استطلاع إسرائيلية أحياناً في الليل، ودائماً في معظم ساعات النهار في سماء بيروت.

هكذا تعيش العاصمة اللبنانية التي بلغ الإنهاك بها مداه، ذلك أنه بالإضافة إلى نحو مائتي ألف نازح من الجنوب والضاحية الجنوبية سبق أن ذاقوا مرارة النزح بجانبيه: النزح من بيوت دمرها العدوان الإسرائيلي، والعيش النزحي غير الكريم عموماً لعشرات الألوف من الذي سبق أن نزحوا. ثم هنالك أمواج جديدة وجدت أنفسها تتجه إلى بيروت عدا استثناءات لمقتدرين أمكنهم إيجاد الملاذ الكريم في مناطق جبلية.مع كل عدوان على بلدات جنوبية ينتهي سكانها نازحين، لا يقتصر فقدان المنزل الذي أمضى صاحبه من الشقاء والتوفير نصف العمر لكي يبنيه حجراً حجراً، وإنما عدم القدرة على استئجار شقة تُؤويه وعائلته، نستثني هنا ذوي الاقتدار من المغتربين في دول أفريقية نجحت تجارتهم هنالك فقرروا أن يكون آخر العمر في البلدة التي غادروها وإشادة المبنى المريح الذي يعوضهم العيش فيه شقاء سنوات الاغتراب. وهؤلاء أو في أكثريتهم لم يهنأوا؛ لأن العدوان الإسرائيلي دمر وأحرق ونهب ما جرى تشييده.

لقد غيَّر النزوح شخصية العاصمة بيروت التي كانت جوهرة. امتلأت الأرصفة بالسيارات ودراجات الذين نزحوا، سيارة إلى جانب سيارة، وحولها الدراجات النارية. والكثافة البشرية تزداد يوماً بعد يوم، أو بعد كل عدوان جديد يعقبه بطبيعة الحال نزوح. وأما أرصفة «الأوتستراد» للشاطئ البيروتي فباتت ملاذاً لمقيمين يفترشون الأرض كما تحت الجسور، حيث لا بيوت لهم، كما باتت هنالك أسواق سيَّارة تلبي احتياجات هؤلاء. وأما المرافق والخدمات الصحية فللوضع المأساوي أن يوضح ظروفه.

حتى الآن، يبدو وضْع النزوح من الجنوب إلى بيروت في الدرجة الوسط، لكن استمرار العدوان سيجعل العاصمة عرضة لأوضاع تؤسس لما هو أخطر بكثير، ذلك أن مجتمع النازحين يقترب من حيث المقارنة بمجتمع اللاجئين الفلسطينيين. كما أنه في حال إخلاء الجنوب بنسبة تقترب من الخطر، أن تعيش العاصمة اللبنانية حالات لا قدرة لها على صدِّها، حيث في هذه الحال سنرى الألوف من النازحين وقد وصلت حالة اليأس إلى أعلى درجة.

وبين ليلة وضحاها، أو بين عدوان إسرائيلي وآخر يليه نزوح بعد نزوح، قد ينتهي الأمر بأن هذه المنطقة التجارية المنهكة أصلاً من كثرة ويلات النزوح ستصبح الملاذ لهؤلاء ليس حباً بذلك، وإنما لأن واقع الحال فائض المرارة، وأن الحنين إلى الجنوب يغمر النفوس.

وما هو المؤلم للنفوس النازحة ليس فقط المنزل الذي دمره العدوان الإسرائيلي في وضح النهار ودون أي خشية من موقف دولي، وإنما البساتين والحقول التي كان خضارها وشتول ورودها وخيرات أشجار؛ زيتونها وبرتقالها وموزها، تشكِّل علامة فارقة في المشهد الجنوبي، وأتى العدوان يحرق هذه الحقول وينشر سموم آلته الحربية في ترابها، ما يعني أن عطاءها بعد العودة... هذا في حال كُتب للمجتمع النازح أن يعود، سيشقى الجنوبي من جديد لكي يعيد إلى التربة حيويتها ونقاءها.

الكثير من المحالّ التي كانت مزدهرة في شتى المجالات، ومنها الألبسة وسوق اللوحات الفنية التي باتت من علامات الرقي اللبناني، أُقفلت. كذلك الكثير من المطاعم ومعظم دور السينما. وفي الشوارع التي في جزء منها صناديق القمامة المتراكمة، ثمة ظاهرة لافتة وهي أن هنالك أشخاصاً يبحثون في هذه الصناديق عن بقايا طعام، كما هنالك كثيرون يتكلمون وهم سائرون أو وقوفاً. وهذا عائد إلى تراكم الصدمات النفسية الناشئة في الجزء الأكبر منها من أن العمل غير متوفر، وإذا توفَّر فإن العائد لا يوفر ثمن أدوية ولا احتياجات منزلية. وأما التسول فإنه حاضر صغاراً وكباراً، ومِن النساء والرجال، في معظم شوارع العاصمة.

لن أُثقل عليكم أكثر كي لا تفقدوا الأمل بقيامة بيروت على نحو قيامها بعد احتراب ميليشياتها عام 1975، وكيف أنها بعد بضع سنوات من الإجرام في حقها، وجدت في الحادبة على سائر شقيقاتها المملكة العربية السعودية تنتشلها من وهْدتها، وتنهض بروحية «اتفاق الطائف»، ويكون الجنوب عامراً انسجاماً مع إعادة الحيوية إليها. ولن أُثقل عليك بالقول إن أياماً مضت جعلتْني، كما كثيرين، نجد بيروت كما وجد كبير شعراء العراق الجواهري بغداد من خلال قوله: «أسمع عن بغداد ولا أراها). كما جعلتْني، وأنا مسكون حزناً على الذي تسبب به العدوان الإسرائيلي لمعظم آثار وطننا التاريخي العريق، ولبساتين وحقول خير الثمار فيه من أقصى الجنوب إلى بقاعه وسهول بعلبك وبلداتها التي تغني خيراتها عن الجوع. أستحضر قول الكبير العراقي الآخر شعراً، السيَّاب: «وكل عام حين يعشب الثرى نجوع... ما مر عام والعراق ليس فيه جوع».

لكن ما زلنا نتفاءل بالخير؛ لأن المؤمن الذي يتفاءل بالخير يجده.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد