محمد ناصر العطوان
بعيداً عن ضجيج الشعارات، وبعيداً عن أولئك الذين يظنون أن الأوطان مجرد «فنادق» نغادرها متى ما ساءت الخدمة، أو «شركات مساهمة» نبيع أسهمنا فيها حين تتبدل أحوال السوق، أو مساحة جغرافية نلفظها إذا فقدنا مميزاتها.
الوطن يا سادة ليس ورقة تُطبع، ولا ختماً يُدق، بل هو دماء تجري في العروق، وجغرافيا محفورة في تلافيف الذاكرة.
الوطن يا ابن أمي هو «الأم»... والأم لا تُستبدل، لا تُعقّ، ولا يُتخلى عن حضنها، حتى لو حالت بيننا وبينها آلاف من الأسوار والأسوار، وحتى لو قست الظروف أو تبدلت الفصول.
في لحظات الهدوء، وحين يخلو الإنسان بنفسه، يكتشف أن العهد الذي بيننا وبين الكويت ليس عقد إيجار قابلاً للفسخ، ولا صفقة تجارية تنتهي بانتهاء المصالح. إنما هو «ميثاق غليظ»، عهدٌ كُتب بمداد المحبة والشرف والأمانة. هو عهد الابن البار بأمه، الذي يقف على بابها حارساً ومحباً، لا يرجو منها جزاءً ولا شكوراً، بل يرى أن خدمتها هي ذروة الشرف، والدفاع عن ترابها هو فرض العين الذي لا يسقط بالتقادم.
يا ابن أمي... العهد أن تظل تغرس الفسائل في هذا التراب، تعمره وتبنيه، نحن لا نملك ترف التراجع عن حب هذه الأرض.. إنها الهواء الذي تنفسناه، والشوارع التي شهدت خطواتنا الأولى، والمدارس التي شكلت وعينا... وكلما عصفت بنا الأيام، ازددنا يقيناً بأننا أوتادٌ في هذه الأرض... بوصلتنا لا تُخطئ، ونوايانا لا تتلوث، وعزيمتنا لا تلين، وأفعالنا ومبادئنا لا تتجزأ.
علمتنا الأيام الانتماء الحقيقي... وسنظل نورث هذا الحب لأبنائنا، نغرسه في قلوبهم كما تُغرس جذور النخيل العصية على الاقتلاع، ليعلموا أن الكويت ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل هي النبض الذي يحيي أجسادنا.
على العهد والميثاق يا خوي، باقون إلى أن نلقى الله... عهدٌ لا تزيده الأيام إلا رسوخاً، ولا تزيده المحن إلا نصوعاً... وتأكيداً. نحن من هذا التراب، وفيه نعيش، وعنه نذود... ولن نبدل تبديلاً.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

