في فيلم "بس يا بحر"، لا يُنسى ذلك المشهد الذي انكسر فيه القلب قبل الصوت؛ حين وقفت حياة الفهد على حافة البحر، تردد اسم مساعد كأنه يخرج من عمقٍ لا يُمسك. الصوت لم يكن نداءً واضحًا، بل ارتجافًا يتفلت في الهواء ثم يذوب، كأنه لا يصل إلى جهة، ولا يعود إلى صاحبه. البحر كان حاضرًا بثقله، صامتًا على اتساعه، يبتلع ما يُلقى إليه دون أن يغيّر ملامحه.
هناك، لم تكن المرأة أمام مشهد درامي، إنما أمام فقدٍ كامل يتشكل في اللحظة نفسها. الجسد ثابت، فيما الداخل ينهار بهدوء لا يطلب نجاة. الصوت يخرج ثم ينكسر قبل أن يكتمل، وكأن اللغة نفسها تتراجع أمام ما هو أعمق منها. في ذلك المشهد تحديدًا، ظل وجهها وهي تندب ابنها صورة لا تُنسى، حزنًا مكشوفًا بلا طبقات، كأنه يمر من الشاشة إلى ذاكرة الناس مباشرة دون وسيط.
من هذه اللحظة، يبدأ فهم حضور حياة الفهد الفني، لا كأداء منفصل، بل كامتداد لتجربة تُبنى من الداخل. ولهذا رأيناها تدخل إلى الشاشة كحالة تنشأ من الحياة نفسها، وتتحول تدريجيًا إلى لغة تمثيل خاصة بها.
من هنا ندرك لماذا لم يكن رحيلها عاديًا، فالملامح التي اعتادتها البيوت الخليجية تحولت إلى جزء من ذاكرتها اليومية. بدا الغياب كأنه انطفاء دفء قديم في زوايا المكان، دفء ظل حاضرًا لسنوات ثم انسحب بهدوء.
ذلك الدفء لم يكن صناعة أداء، كان امتدادًا لشخصيتها كما هي. منذ بداياتها، ظهرت أقرب إلى امرأة من داخل الحكاية، لا نجمة تقف خارجها. ملامحها بقيت على طبيعتها، لهجتها حافظت على عفويتها، وحضورها لم يبحث عن تهذيبٍ يقرّبه من الكاميرا بقدر ما قرّبه من الناس.
ومع امتداد تجربتها، ظل هذا الصدق يتخذ أشكالًا مختلفة دون أن يفقد جوهره. في "خالتي قماشة" مثلًا، تنبثق الكوميديا من تفاصيل الحياة اليومية، من إيقاع الشخصية، من لحظات تبدو بسيطة وهي تصنع أثرها الأعمق. وفي "أبي وأمي مع التحية" يتحول العمل إلى مساحة هادئة تلتقي فيها القيم مع الفن، حيث يصل المعنى دون خطاب، ويستقر في الوجدان دون إلحاح.
وعندما اجتمعت مع سعاد عبد الله، تشكّل حضورٌ مزدوج يشبه توازن الحياة نفسها: عفوية تقابلها خبرة، وخفة توازيها حرفية. هذا التناغم امتد مع أسماء مثل حسين عبد الرضا وخالد النفيسي وغانم الصالح، حيث لم تكن الأعمال مجرد تعاون فني، كانت صورة قريبة لمجتمع يرى نفسه، يضحك من تفاصيله، ويعيد اكتشافها دون مسافة.
رحلتها لم تتبدل بقدر ما نضجت. من خفة البدايات إلى عمق الأدوار التراجيدية، ظل الإحساس هو العنصر الأكثر حضورًا. كانت تدخل الشخصية من داخلها، فتمنحها زمنها الخاص، وتمنح المشاهد إحساسًا بأنه أمام حياة تُعاش لا دور يُؤدى.
وفي أحد لقاءاتها، حين سُئلت عن عمليات التجميل، جاء جوابها انعكاسًا لهذا الفهم: كانت ترى الوجه مساحة تتحرك فيها التعابير، وأي تغيير فيها قد يربك طريقة وصول الإحساس. لذلك بقيت ملامحها قريبة من أصلها، وفية للغة التي تمر عبرها المشاعر دون عائق.
بهذا المعنى، لم تكن أدوارها تحتاج إلى تغيير الملامح، كانت الملامح هي التي تمنح الأدوار صدقها. تنقلت بين الأم الصارمة، والزوجة الكوميدية، والمرأة التي تحمل حزنها بصمت، دون أن تفقد ذلك القرب الذي يجعل كل شخصية قابلة للتصديق. كأنها لا تمثل بقدر ما تكشف وجوهًا مختلفة من التجربة الإنسانية.
وخارج الشاشة، ظل هذا الامتداد حاضرًا. اقتربت من المواهب، احتضنتهم، منحتهم من وقتها واهتمامها، كما لو أن الفن بيتٌ يتسع للجميع. لم يكن الأمر دورًا إضافيًا، بل انعكاسًا لطبيعة ترى في العلاقة الإنسانية جزءًا من معنى الفن نفسه.
هكذا بقيت حياة الفهد في الوجدان؛ في ضحكةٍ مألوفة بنبرتها، في مشهدٍ يستعاد دون جهد، في لحظة حزن تمرّ وكأنها تخصّنا.
رحلت.
وظل ذلك الدفء القديم يضيء جدران الذاكرة وأيامنا المتعبة.


