اكتسبت زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى سوريا أهمية غير عادية من حيث الشكل والتوقيت والمضمون. فهي تأتي في ظل تطورات محلية وإقليمية متسارعة، أبرزها انطلاق قطار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل على حفاف التجاذبات الداخلية.
في الشكل، غاب رأس الدبلوماسية اللبنانية وزير الخارجية يوسف رجي عن الزيارة التي استمرت لساعات قليلة، وهو الأمر الذي فسرته أوساط سياسية في بيروت بأنه يعكس حالة من اللاتوافق الداخلي في زيارة هدفها وضع أرضية توافق بين بلدين في ملفات مصيرية. ولا أدري أيضًا سر تعمد كسر البروتوكول واستقبال موظف في الخارجية السورية الوفد اللبناني في المطار؟!
يقول البعض، والبعض هنا تعود للمكونات السياسية في لبنان، بأن زيارة سلام أسست لمرحلة جديدة من التعاطي بعيدًا عن "خطوط الوصاية" التي كانت ترسم العلاقة بين دمشق وأمراء دويلات الطوائف بإعلام.
لبنان عهد الرئيس جوزف عون يدخل مرحلة جديدة نواتها استعادة قرار دولة المؤسسات. وليس منّة على الإطلاق التواصل مع لبنان من بوابة السيادة والندية، وحبذا لو يصارحنا الرئيس نواف سلام: هل تم إخطار القيادة السورية الجديدة بأن التواصل والتنسيق يجب أن يتم عبر القنوات الدستورية لا عبر التواصل المباشر مع القوى السياسية أيًا كانت؟!
في التوقيت، ثمة من يشير إلى أهمية التنسيق مع سوريا مع انطلاق قطار التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب، بيد أن كلًا من لبنان وسوريا يدركان أن مفاتيح عجلة السلام في مكان آخر. شبابيك مسارح الاستعراض الشعبوية لم تعد تجارة رابحة.
في المضمون، وهو الجانب الأهم، تحدث الرئيس نواف سلام عن إطلاق مجلس الإعمار اللبناني السوري، وهو عنوان عريض أطلق في فضاء الأمل، وإن كان البعض يرى أن إطلاق مشروع تنموي كهذا يحتاج إلى انطلاق القطار التشريعي في سوريا (البرلمان)؟! من يضع أطر التحرك لهذا المشروع العملاق؟!
في لبنان لا تخفي أوساط سياسية مطلعة حالة الفتور بين الرئاستين اللبنانية والسورية. سيدا قصر بعبدا وقصر الشعب قدما من بيئتين مختلفتين. وحسب وصف هذه الأوساط، فإن "الغموض يكتنف الموقف بشأن قضيتين أساسيتين هما الحدود والنازحين، ودمشق لم تقدم حتى الآن موقفًا مطمئنًا بشأن ترسيم الحدود"، الأمر الذي يخلق مساحة توتر تتسلل منها أجندات كثيرة.
ثم لا يمكن إغفال تداعيات النزوح السوري واستمراره بعد نحو عام ونصف من إسقاط النظام الأسدي، وفي تقدير هذه الأوساط، فإن ربط عودة النازحين بإعادة الإعمار في سوريا يعني أن القضية على أجنحة التأجيل بحكم ظروف إعادة الإعمار والدعم الدولي المأمول لدمشق.

