: آخر تحديث

من الفعالية إلى صناعة الأثر.. تجربة جامعة الملك فيصل

1
2
3

لم يكن حفل تخريج الدفعة الـ 47 من جامعة الملك فيصل نهاية رحلة طلابية فحسب، بل كان إعلانًا عن مدرسة إدارية وفنية وإنسانية في صناعة الفعاليات الجامعية؛ مدرسة تجعل الإنسان أولًا، وتحوّل الفكرة إلى أثر، والتنظيم إلى تجربة، والفن إلى رسالة، والفرح إلى ذاكرة وطنية ممتدة..

لم تعد الفعاليات في المملكة، في ضوء رؤية 2030، مناسبات عابرة تُدار بمنطق التنظيم التقليدي، بل أصبحت صناعة متكاملة، ومنصة لتعزيز جودة الحياة، وصناعة الانطباع، وترسيخ الهوية، وبناء الذاكرة الوطنية والاجتماعية. فقد جعلت الرؤية من جودة الحياة مستهدفاً واضحاً، وأنشأت لذلك البرامج والكيانات الممكنة لقطاعات الثقافة والترفيه والسياحة والرياضة، لتتحول الفعاليات من نشاط موسمي إلى أداة تنموية ناعمة، تقيس قدرة المؤسسات على صناعة التجربة لا مجرد تنفيذ المناسبة.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة جامعة الملك فيصل في حفل تخرج الدفعة السابعة والأربعين بوصفها نموذجاً متقدماً في هندسة إدارة الفعاليات الجامعية. فالحفل لم يكن مناسبة احتفالية لتسليم الشهادات فحسب، بل تجربة إنسانية وتنظيمية واتصالية متكاملة؛ بدأت من الفكرة، وامتدت إلى التخطيط والتنفيذ والتشغيل والإبداع، وانتهت إلى أثر وجداني باقٍ في ذاكرة الخريجين والخريجات وأسرهم ومجتمع الأحساء والوطن.

ما يميز هذه التجربة أن الجامعة أدركت أن نجاح الفعالية لا يقاس بعدد الحضور أو جمال المشهد فقط، بل بقدرتها على صناعة المعنى. والمعنى هنا أن يشعر الخريج أن لحظته الشخصية جزء من قصة وطنية كبرى؛ قصة تعليم وتمكين وكفاءة وطنية ومؤسسة جامعية تعرف كيف تحوّل المناسبة إلى رسالة، ولذلك ظهرت الفعالية وكأنها منظومة متكاملة لا حدثاً منفصلاً، حيث تداخلت الإدارة، والإعلام، والتنظيم، والفن، والمحتوى الرقمي، وصناعة الأثر.

استراتيجياً، تقوم إدارة الفعاليات الحديثة على ثلاثة مستويات: إدارة المشهد، وإدارة التجربة، وإدارة الأثر. إدارة المشهد تعني ضبط التفاصيل، وسلاسة التنظيم، وتناسق الصورة، وإدارة التجربة تعني فهم رحلة المستفيد؛ الخريج، الأسرة، الضيف، الإعلامي، والمتابع الرقمي. أما إدارة الأثر فهي الأعمق؛ لأنها تتصل بما يبقى بعد انتهاء الحفل: الانطباع، والمحتوى المتداول، والاعتزاز المؤسسي، والذاكرة التي تتحول إلى حضور اجتماعي ورقمي مستمر.

في حفل تخرج جامعة الملك فيصل 47، بدا واضحاً أن الجامعة لم تراهن على المظهر الاحتفالي وحده، بل فعّلت رأسمالها البشري من قيادات وكفاءات وطنية وفرق عمل وطلبة قادرين على صناعة الصورة ونقلها عبر المنصات الرقمية المختلفة. وهنا تكمن قوة التجربة؛ فالخريجون والطلبة لم يكونوا مجرد حاضرين، بل تحولوا إلى سفراء رقميين للجامعة، ينقلون لحظاتهم ومشاعرهم وصورهم، ويعيدون إنتاج صورة المؤسسة في فضاءات أوسع من قاعة الحفل.

ومن أبرز عناصر التميز في هذا الحفل، جاء الأوبريت الوطني "من الأحساء إلى الوطن" بوصفه هدية فنية ووجدانية قدمتها الجامعة لأبنائها وبناتها الخريجين والخريجات، وللأحساء، وللوطن. لم يكن الأوبريت مجرد فقرة فنية ضمن البرنامج، بل كان ملحمة وطنية متكاملة، صيغت لتروي حكاية الإنسان والمكان والجامعة، وتربط فرحة التخرج بجذور الأحساء وامتدادها الوطني.

خلف هذا العمل أكثر من شهرين من الجهد الصامت، وساعات طويلة امتدت ليلاً ونهاراً، وفرق آمنت أن حكاية الخريجين تستحق أن تُروى على المسرح بما يليق بجامعة عريقة وبوطن يصنع مستقبله بأبنائه وبناته. لقد تحوّل الأوبريت إلى وعدٍ على المسرح؛ تُضاء فيه الذاكرة، ويعلو فيه صوت الخريجين، وتتجسد فيه قيم الانتماء والوفاء والطموح. ففي "من الأحساء إلى الوطن" لم تكن الجامعة تعرض مشهداً فنياً فقط، بل كانت تصنع لحظة جامعة، يصبح فيها المسرح منصة للامتنان والاعتزاز، وتأكيد أن الفعاليات الكبرى لا تصنعها البروتوكولات وحدها، بل القلوب التي تعمل بصمت حتى يكتمل الأثر.

وهنا يظهر البعد الاستراتيجي في تجربة جامعة الملك فيصل؛ فالحفل الناجح اليوم لا ينتهي بانطفاء الأضواء، بل يبدأ عمره الثاني بعد النشر والتداول والتفاعل. الصورة، والمقطع القصير، والتغريدة، والتعليق، والانطباع الشخصي، كلها تتحول إلى وحدات اتصال مؤسسي غير مباشرة. ومن يحسن إدارة هذه البيئة الرقمية يضاعف أثر الفعالية، ويجعلها حاضرة في الوعي العام، لا بوصفها خبراً عابراً، بل قصة تستحق التوثيق والتداول.

ويتقاطع ذلك مع التحول الوطني في قطاع الفعاليات، حيث أصبح الجمهور أكثر وعياً وتوقعاً للجودة والابتكار. فلم تعد المؤسسات مطالبة بتنظيم حدث فقط، بل بصناعة تجربة تليق بمرحلة التحول السعودي. ومن هذا المنظور، قدمت جامعة الملك فيصل درساً مهماً: التميز لا يصنعه الإنفاق وحده، بل تصنعه الحوكمة، والعمل الجماعي، ووضوح الرؤية، والإيمان أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الصورة الكبيرة.

كما أن قيادة الجامعة تظهر في هذا السياق بوصفها قيادة تغيير لا قيادة تشغيل فقط.. فالتغيير في المؤسسات التعليمية لا يظهر في المناهج والمباني وحدها، بل في الطريقة التي تقدم بها الجامعة نفسها لمجتمعها، وكيف تحتفي بمنسوبيها وطلبتها، وكيف تجعل من كل مناسبة فرصة لتعزيز الانتماء والثقة والصورة الذهنية.

لقد أصبحت جامعة الملك فيصل، من خلال هذه التجربة، تنافس ذاتها قبل أن تنافس غيرها. وهذا هو جوهر التميز المؤسسي: أن يتحول النجاح السابق إلى معيار جديد، لا إلى سقف نهائي. وكل نسخة من الحفل تصبح تحدياً جديداً لتقديم تجربة أكثر نضجاً، وأكثر إنسانية، وأكثر حضوراً في ذاكرة الأحساء والوطن.

إن حفل التخرج 47 لم يكن نهاية رحلة طلابية فحسب، بل كان إعلاناً عن مدرسة إدارية وفنية وإنسانية في صناعة الفعاليات الجامعية؛ مدرسة تجعل الإنسان أولاً، وتحوّل الفكرة إلى أثر، والتنظيم إلى تجربة، والفن إلى رسالة، والفرح إلى ذاكرة وطنية ممتدة. ومن خلال أوبريت "من الأحساء إلى الوطن"، وحضور كفاءاتها وطلبتها في المنصات الرقمية، أكدت جامعة الملك فيصل أن الفعاليات حين تُدار بعقل استراتيجي وروح وطنية، فإنها لا تُشاهد فقط، بل تُحفظ في الوجدان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد