: آخر تحديث

زيارة إلى مخازن التاريخ

1
4
2

من القسوة أن تقع الجغرافيا تحت وطأة حروب دائمة، الشرق الأوسط يمثل هذه الحالة بدقة، بعيداً عن الغوص في حمولات التاريخ: عقائدية، سياسية، اجتماعية، فإن هذه الجغرافيا تملك مخازن متخمة بالأحداث.

لا شك في أنها أرض العقائد السماوية الثلاث، وممر البهارات: الطاقة القديمة، وشريان ومنتج النفط والغاز: الطاقة الجديدة، ومنطقة تدور حولها الموائد المستديرة، ونتائج حروب الآخرين.

أهو قدر، أم أن أصحابها غافلون عن هذه المخازن المتخمة؟

لا نعود إلى ملفات التاريخ، ولكن سنتوقف عند تصورات وأوهام الآخرين عن أنفسهم وعن المنطقة، فإذا نظرنا إلى إسرائيل، وأنه تم إعلانها في 15 مايو (أيار) عام 1948، سنكتشف أن عمرها قصير (78 عاماً)، وقد نستدعي مقولة ملك بريطانيا تشارلز الثالث أمام الكونغرس حين قال متحدثاً عن عمر أميركا (250 عاماً): «إنه بالأمس القريب» لكن الأمس الإسرائيلي القصير يستمر في سلسلة حروب، وتقريباً لا يمر عام من دون أن تشن إسرائيل حرباً في المنطقة العربية.

هناك من يريد أن يجعل من إسرائيل «إسبرطة» الجديدة، والتعبير ليس من عندي، إنما استدعاه بنيامين نتنياهو من أضابير التاريخ. والحقيقة أن إسبرطة هذه هي تعبير عن الدولة المسلحة حتى الأسنان، والتي على استعداد دائم للحرب مع الجيران، تلك كانت إسبرطة اليونانية القديمة، فهل حين استدعى نتنياهو إسبرطة من مخازن التاريخ، كان يعي أنها تلاشت في النهاية، وصارت مثالاً على الحالات التي لا تجيد سوى مهنة القتال؟ وهل كان من الطبيعي أن يستدعي نتنياهو أيضاً الغازي جنكيز خان، في سياق مغامراته الخطيرة؟

في اعتقادي أن الشرق الأوسط سيودِّع هذه الفلسفة إلى مثواها الأخير، فالحرب خلال العامين الماضيين فشلت في تحقيق هذه الرؤية، وإذا انتقلنا إلى المشروع الآخر، وهو المشروع الإيراني، فسنجد أنه يتشابه في الفلسفة نفسها، صحيح أنه منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثمة مشاريع كانت موجودة كالمشروع الأوروبي الذي توسع على حساب المشروع العثماني، وإذا ما أدرنا مؤشر التاريخ إلى الخلف، فسنجد أيضاً أن المنطقة واجهت إغارات ومشاريع متعددة.

في عام 1979 وقعت صخرة هائلة من سماء العقائد والمعتقدات والطوائف، حينما ظهر الخميني، عائداً من منفاه الباريسي إلى إيران في لحظة تشابكت فيها الخيوط العالمية، وأنا لا أريد هنا أن أفتّش في نيّات التاريخ، لكنَّ الواقع الذي عايشناه كصورة حقيقية، كان يعيد ترتيب الأحداث وفقاً لأحلام ومشاريع خطيرة.

لا أريد أيضاً أن أستدعي ما قاله محمد حسنين هيكل عن الخميني، بأنه «رصاصة انطلقت من القرن السابع الميلادي إلى صدر القرن العشرين»، فقد كان هيكل يبالغ باللغة، لكنني أقول إنه كان مثل صخرة لم تنطلق من الماضي، بل تدحرجت من غرف السياسة العالمية، فلا شك أن ما تسمى الثورة الإيرانية كانت شاملة: ليبراليين، وشيوعيين، وقوميين، وإسلاميين ضد الشاه، بينما جاء تصور الخميني وجماعته عكس كل هؤلاء؛ فقد كان يؤمن في قرارة نفسه بتصفية الشركاء في اللحظة المناسبة. لا ننسى إعدام وزير خارجيته صادق قطب زاده، ولا ننسى تخليه عن الحسن بني صدر، أول رئيس جمهورية، والاثنان من مريديه الأوائل، ورفيقا رحلته من باريس إلى طهران، لكنّ للتاريخ أحكاماً، فقد كان الخميني يرى أن هذه المنطقة قد حكمها العرب لقرون، وحكمها الأتراك لقرون، وأن الوقت قد حان ليحكمها الفرس لقرون طويلة مقبلة، كان هذا هو محور تفكير الرجل الذي وصفته الصحافة الغربية بالقنبلة التي سوف تنفجر في وجه الجميع، سرعان ما رفع شعار طريق القدس يمر ببغداد، أي احتلال بغداد أولاً ثم «تحرير فلسطين في زمن آخر!»، فوقعت حرب ضروس لثماني سنوات بين العراق وإيران، ورفض الخميني أن تتوقف، ولكنه وافق أخيراً بعد ضغط المعارك قائلاً: «كأنّي أتجرّع السم»، وهذا السم لم يمنع شعار تصدير الثورة. بل اتخذ طرقاً أسرع، حين تم التفكير في وضع علامات إشارية في دول عربية: «سوريا الأسد، ولبنان الحرب الأهلية، واليمن المتشقق، وأخيراً العراق الهش بعد الغزو الأميركي عام 2003».

ومن هذا المسرح الرباعي تسلل إلى الميدان الفلسطيني، وهو ميدان يغري الجماهير، وقد وصل بالفعل إلى فصائل وجماعات رغم اختلاف المذهب والمعتقد.

الحقيقة أن مخازن التاريخ ألقت بحمولاتها فجأة حين وقعت أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، فقد كانت إشارة لانفتاح الغرف المغلقة، وطارت من غزة، وحطت في سوريا ولبنان واليمن والعراق، وأخيراً وصلت إلى صاحب الفكرة نفسها «إيران»، لنعايش حربين كبيرتين؛ الأولى في يونيو (حزيران) 2025، والأخرى في 28 فبراير (شباط) 2026 بين أميركا وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر.

هنا لا نناقش مَن انتصر ومَن انهزم، بل نناقش كيف تغير الشرق الأوسط بالفعل، فلا إسرائيل بقادرة على الاندفاع نحو أحلام إسرائيل الكبرى، ولا إيران بقادرة على أن تستعيد ما قبل حرب 28 فبراير الماضي، فالمشروعان خرجا من مخازن التاريخ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد