: آخر تحديث

الرياض.. ليست أزمة ازدحام بل أزمة سلوك

3
3
4

 

كلَّما طُرح موضوع الازدحام في الرِّياض، انصرف النقاشُ مباشرةً إلى الطُّرق والجُسور والإشارات، وعدد المركبات، والتخطيط والهندسة المروريَّة.. ولهذا تتواصل الجهود المشكورة من الجهات ذات العلاقة في كافَّة هذه الاتِّجاهات، عبر مشروعات التَّوسعة الضَّخمة، وافتتاح المحاور الجديدة، وطرح الحلول التخطيطيَّة، وعقد الندوات المتخصِّصة، باعتبارها علاجًا مأمولًا لأزمة؛ أصبحت جزءًا من الحياة اليوميَّة في المدينة.

ولا خلاف على أنَّ النموَّ السكانيَّ والعمرانيَّ المتسارع، واتِّساع المدينة، وارتفاع أعداد السيَّارات، كلها عوامل حقيقيَّة تسهم في تفاقم الازدحام، لكنَّ التركيز على هذه الجوانب، لا ينبغي أنْ يجعلنا نغفل حقيقة أنَّ المشكلة الأخطر لا تكمن في الازدحام نفسه، بل في الطريقة التي نقود بها وسط هذا الازدحام. فشوارعُنا لم تعد تُدار بروح النِّظام والذَّوق العام، بل بمنطق الغلبة للأكثر اندفاعًا وتهوُّرًا وعدوانيَّة.. فمن يقتحم المسارات، ويتجاهل أولويَّة الطَّريق، ويستخدم كتف الطَّريق المُخصَّص للطوارئ، ويغيِّر اتَّجاهه بشكلٍ مفاجئٍ، ويقود بعقليَّة «إمََّا أنَا أو الآخرُون»، هو غالبًا مَن يفرض إيقاعه على الجميع، أمَّا الملتزمُ بالنظام فيجد نفسه دائمًا في موقع الطَّرف الأضعف، الذي كأنَّما يتمُّ عقابه على التزامه بالأنظمة وأخلاقيَّات القيادة.

المشكلة هنا إذًا ليست مروريَّة فقط، بل ثقافيَّة وسلوكيَّة بالدرجة الأولى، ففي كثير من مدن العالم الكُبرى يوجد ازدحام يفوق ما نراه لدينا، لكنَّ الفارق أنَّ الطَّريق يبقى فضاءً عامًّا، تحكمه قواعد مشتركة، واحترام متبادل، لا ساحة لإثبات التفوُّق الفرديِّ واستعراض القوَّة.. أمَّا حين يغيبُ احترامُ النِّظامِ، ويتراجعُ الشعورُ بالمسؤوليَّة تجاه الآخرِين، فإنَّ الازدحام يتحوَّل إلى بيئة للتوتُّر والغضب، والاستنزاف النفسيِّ اليوميِّ.

ومن الإنصاف القول إنَّ التقنية الحديثة أسهمت في ضبط كثير من المخالفات عبر كاميرات المراقبة، وأنظمة الرصد الآلي، التي أصبحت جزءًا أساسًا من المنظومة المرورية الحديثة. لكن هذه التقنيات، مهما بلغت كفاءتها، لا تغطِّي سوى أجزاء محدودة من المشهد المروريِّ الواسع والمعقَّد. وربما لهذا السَّبب يلاحظ كثيرُون بصورة لافتة، تراجع الحضور المباشر لرجال المُرور في الشوارع، وكأنَّ الاعتماد على التقنية أصبح بديلًا شبه كامل عن الوجود الميدانيِّ، بينما الحقيقة أنَّ وجود رجل المرور لا يقتصر على تحرير المخالفات، بل يتجاوز ذلك إلى فرض هيبة النِّظام، والتدخُّل السَّريع، وصناعة شعور دائم بأنَّ الطريق ليس مساحةً للفوضى، أو الاستقواء على الآخرِينَ.

من ناحيةٍ أُخرى، فإنَّ الأمر لا يتعلَّق فقط براحة السكَّان، أو انسيابيَّة الحركة، بل بصورة البلد أيضًا. فمع الانفتاح الكبير الذي تعيشه المملكة، والاستثمارات الضَّخمة في السياحة والترفيه والفعاليَّات العالميَّة، لم تعد تجربة الزائر تبدأ من الفندق، أو موقع الفعاليَّة، بل من الطريق الذي يسلكه منذ لحظة وصوله. وأوَّل ما يلاحظه السَّائح ليس الأبراج الشاهقة، أو الجسور والطرق الفسيحة، بل طبيعة السلوك اليوميِّ في الشارع، وكيف يتعامل السَّائقُون مع بعضهم بعضًا، ومع الأنظمة أثناء القيادة؟.

بل إنَّ الانطباع الأوَّل يبدأ أحيانًا من المطار نفسه، حيث لا تزال تتردَّد على مسامع القادمين تلك العبارة الفوضويَّة المزعجة: «تكسي.. تكسي»، في مشهد يتكرَّر رغم كل محاولات التَّنظيم. وهي تفاصيل قد تبدو صغيرةً، لكنَّها قادرةٌ على ترك أثرٍ كبيرٍ في تشكيل الصورة الذهنيَّة لدى الزائر.

ختامًا، يبدو أنَّ الوقت قد حان لإعادة ترتيب أولويَّات الحل، فالمشكلة لم تعد في عدد الطُّرق، أو جودتها وهندستها، بقدر ما هي في نوعيَّة السلوك الذي يُمارَس عليها. وما نحتاجه اليوم ليس -فقط- مزيدًا من الجسور والكاميرات، بل نحتاج مشروعًا حقيقيًّا لتعديل السلوك المروريِّ، يبدأ بالتَّوعية والتَّعليم، ولا يكتمل إلَّا بتطبيق صارم وحازم على السلوكيَّات العدوانيَّة وغير النظاميَّة، التي تسيءُ للآخرِينَ، ولصورة البلد معًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد