: آخر تحديث

في كان 2026.. السعفة الذهبية بين سينما الهوية والعائلة والعزلة

2
2
2

إيلاف من كان: تُعدّ المسابقة الرسمية في Cannes Film Festival القلب النابض للمهرجان، حيث تتقاطع أهم الأسماء السينمائية في العالم ضمن سباق السعفة الذهبية. ليست مجرد منصة للجوائز، بل مساحة تُرسم فيها ملامح السينما المعاصرة، عبر توازن دقيق بين أسماء راسخة وتجارب صاعدة، بين سينما الخبرة وسينما الاكتشاف.

تتوزع أفلام مهرجان كان السينمائي هذا العام حول ثيمات إنسانية متقاربة، تتصدرها أسئلة الهوية الفردية في عالم متغير، والعلاقة المعقدة بين الذات والمجتمع. تحضر العائلة كفضاء أساسي للصراع، سواء عبر الفقد أو التفكك أو إعادة تعريف الروابط. كما تبرز ثيمة المرض—الجسدي والنفسي—كمدخل لفهم هشاشة الإنسان وحدوده. من جهة أخرى، يعود التاريخ والحروب كخلفية تعكس أزمات الحاضر، بينما تتقاطع هذه الخطوط مع حضور واضح للعزلة والوحدة في حياة الشخصيات. في المجمل، تبدو المسابقة هذا العام أقرب إلى تأمل جماعي في الإنسان أكثر من كونها استعراضًا للقصص.

في هذا السياق، يحضر المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار Pedro Almodóvar كأحد أبرز الأسماء المرتبطة تاريخيًا بالمهرجان، منذ مشاركته الأولى في أواخر الثمانينيات، قبل أن يرسّخ حضوره عبر أعمال مثل All About My Mother وTalk to Her. مشاركته هذا العام تمثّل امتدادًا لعلاقة طويلة مع كان، حيث تتجدّد رؤيته السينمائية دون أن تفقد هويتها الإنسانية والبصرية الخاصة

إلى جانب هذا الحضور المخضرم، يواصل المخرج الإيراني أصغر فرهادي Asghar Farhadi تثبيت مكانته كأحد أبرز أصوات السينما الأخلاقية المعاصرة، من خلال أعمال مثل The Salesman وA Hero، التي حصدت جوائز كبرى في كان. أفلامه لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تضع الشخصيات في اختبارات إنسانية معقّدة، تجعل من كل مشاركة له محطة للنقاش النقدي.

ومن اليابان، يحضر اسمان بارزان يعكسان تنوّع التجربة الآسيوية؛ هيروكازو كوريدا Hirokazu Kore-eda، أحد أعمدة كان الحديثة، الذي توّج بالسعفة الذهبية عن Shoplifters، ويواصل تقديم سينما إنسانية هادئة تلتقط تفاصيل العائلة والهامش الاجتماعي، مقابل حضور أكثر حداثة للمخرج ريوسكي هاماغوتشي Ryusuke Hamaguchi، الذي برز عالميًا بعد Drive My Car، ويميل إلى سينما تأملية تعتمد على الحوار والزمن كأدوات سردية.

أما السينما الأوروبية، فتقدّم هذا العام مزيجًا لافتًا من الأسماء المخضرمة والصاعدة. فالمخرج الروماني كريستيان مونجيو Cristian Mungiu، أحد أبرز وجوه الموجة الجديدة، يعود بتاريخ حافل بدأ بالسعفة الذهبية عن 4 Months, 3 Weeks and 2 Days، ويستمر في تقديم سينما واقعية صارمة تتناول القضايا الاجتماعية والسياسية بحدة. وفي السياق نفسه، يحضر المخرج المجري لازلو نيمش László Nemes، الذي انطلق بقوة من كان عبر Son of Saul، مقدّمًا تجربة بصرية مكثفة تقوم على الإحساس والاقتراب من الشخصية.

وفي زاوية مختلفة، يبرز المخرج البولندي باڤل بافليكوفسكي Paweł Pawlikowski، الذي يفضّل الحضور الانتقائي، لكنه يترك أثرًا واضحًا كما في Cold War، حيث تتجلّى حساسيته البصرية في تكوينات دقيقة وإيقاع هادئ. بينما يمثّل المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف Andrey Zvyagintsev نموذجًا لسينما نقدية صارمة، ارتبطت بكان عبر أفلام مثل Loveless، الذي شكّل آخر حضوره في المسابقة حتى الآن.

في المقابل، تفتح المسابقة هذا العام الباب أمام أسماء جديدة تخوض تجربتها الأولى، مثل شارلين بورجوا-تاكيه Charline Bourgeois-Tacquet، التي تنتقل من "أسبوع النقاد" إلى المسابقة الرسمية، حاملة معها سينما خفيفة في ظاهرها وعميقة في طرحها، وجان هيري Jeanne Herry، التي تمثل انتقالًا من سينما فرنسية محلية إلى فضاء المنافسة العالمية، بأعمال تركز على القضايا الاجتماعية والإنسانية.

ولا تغيب الأسماء الصاعدة الأخرى، مثل إيمانويل مار Emmanuel Marre، الذي برز في "أسبوع النقاد" بأسلوب واقعي بسيط، وكوجي فوكادا Kōji Fukada، الذي يميل إلى التوتر النفسي الصامت وبناء العلاقات المعقّدة داخل فضاءات مغلقة، في مؤشر واضح على تنوّع الأصوات السينمائية القادمة من خارج التيار السائد.

في النهاية، لا تُقاس أهمية المسابقة الرسمية بالفائزين فقط، بل بقدرتها على جمع هذه الأصوات المختلفة في مساحة واحدة، حيث تتحوّل السينما إلى حوار مفتوح بين ثقافات وأساليب متعددة. هنا، في كان، لا تُعرض الأفلام فحسب، بل يُعاد تعريف السينما كل عام.

غياب عربي عن المسابقة الرسمية 

رغم غياب السينما العربية عن المسابقة الرسمية للمهرجان هذا العام، إلا أن هناك أفلامًا من فلسطين والمغرب واليمن والسودان وسوريا تسجل حضورها عبر أقسام موازية مثل «نظرة ما» و«أسبوع النقاد» و«نصف شهر المخرجين».

 فيشارك فيلم  «المحطة» للمخرجة اليمنية سارة إسحاق، داخل أسبوع النقاد، و«البارح العين ما نامت» للمخرج الفلسطيني راكان مياسي، ضمن عروض «نظرة ما»، وفي نفس القسم فيلم «توت الأرض» للمخرجة ليلى المراكشي.

 وفي أسبوع النقاد فيلم «نفرون» للمخرج السوري داود العبد الله، في عودة للسينما السورية في المهرجان بعد غياب طويل، كما يشارك المخرج والمنتج سعيد حميش بفيلمه القصير «البحث عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء»، ومن السودان المخرج إبراهيم عمر بفيلمه القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك».

السعفة الفخرية
يمنح المهرجان هذا العام سعفته الفخرية لكل من مخرج ثلاثية «سيد الخواتم» بيتر جاكسون، حيث يحظى بجائزة الإنجاز مدى الحياة، بجانب تكريم الممثلة الأمريكية باربرا سترايساند، لمكانتها في عالم السينما والغناء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ترفيه