: آخر تحديث

حين تصبح الحقيقة غير قابلة للتعرّف: غزة وانهيار لغة النظام الدولي

2
2
2

حين يُقتل المدنيون جماعيًا ثم يُعاد تعريفهم باعتبارهم "دروعًا بشرية"، وحين يتحول التجويع إلى "أزمة توزيع مساعدات"، والتهجير إلى "هجرة طوعية"، والصحافي إلى "متعاون مع الإرهاب"، لا نكون أمام دعاية سياسية تقليدية فحسب، بل أمام شيء أخطر: إعادة تشكيل الواقع عبر تفكيك اللغة التي تصفه.

فالأزمة في غزة لم تعد فقط أزمة محاسبة دولية، بل أزمة في الفئات نفسها التي تجعل المحاسبة ممكنة.

في الأشهر الأخيرة، لم يكن الجدل الدولي يدور فقط حول حجم الدمار أو أعداد القتلى، بل حول معنى الكلمات نفسها. هل المجاعة نتيجة للحصار ومنع دخول المساعدات، أم مجرد خلل لوجستي في التوزيع؟ هل المستشفيات منشآت مدنية محمية بموجب القانون الدولي، أم "بنى تحتية إرهابية" يمكن نزع حمايتها بمجرد ادعاء استخدامها عسكريًا؟ لقد تحوّل مجمع الشفاء الطبي، على سبيل المثال، من رمز للكارثة الإنسانية إلى ساحة صراع على تعريف الحقيقة نفسها، حيث أصبحت الادعاءات الأمنية كافية لدى قطاعات واسعة من الخطاب السياسي والإعلامي لتقويض الحماية القانونية التي يفترض أن تكون ثابتة. وحتى الصحافي لم يعد يُنظر إليه باعتباره شاهدًا مدنيًا محميًا، بل كفاعل محتمل داخل "بيئة قتالية"، بحيث تصبح صفته المهنية نفسها عرضة للتسييس وإعادة التعريف. هذه ليست خلافات لغوية عابرة، بل صراع على تعريف الواقع نفسه.

في الحروب السابقة، كانت الدول تنتهك القانون ثم تحاول إخفاء الانتهاك. أما اليوم، فالمشهد مختلف. الانتهاك نفسه يُعاد تقديمه باعتباره ضرورة أخلاقية أو إجراءً دفاعيًا أو حالة استثنائية تفرضها "التعقيدات الأمنية". لم تعد القوة تكتفي بخرق القواعد، بل أصبحت تعيد تعريف القواعد أثناء خرقها.

وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فحين تنهار القدرة على التسمية الدقيقة، تنهار معها القدرة على الإدراك السياسي والأخلاقي. لا يمكن محاسبة جريمة لا يُسمح بتوصيفها. ولا يمكن حماية المدنيين إذا أصبح تعريف "المدني" نفسه قابلاً للتفاوض السياسي والإعلامي.

وفي هذا السياق، تبدو غزة أكثر من مجرد ساحة حرب. إنها مختبر عالمي لإعادة هندسة اللغة القانونية والأخلاقية. فالمجاعة يمكن اختزالها إلى "مشكلة توزيع"، والاعتراض على القتل الجماعي يمكن تصويره باعتباره تحريضًا أو تطرفًا، والمطالبة بتطبيق القانون الدولي يمكن تقديمها باعتبارها انحيازًا سياسيًا. الأخطر أن هذه التحولات لا تنتج فقط عن خطاب سياسي رسمي، بل عن شبكة كاملة تضم حكومات، ومؤسسات إعلامية، وخبراء أمن، ومراكز أبحاث، ومنصات رقمية تعيد تدوير المفردات نفسها حتى تصبح اللغة الجديدة أمرًا مألوفًا.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بالانهيار الإدراكي للنظام الدولي. فالمسألة لم تعد مجرد عجز أخلاقي عن وقف الكارثة، بل عجز مؤسساتي عن تثبيت معنى الكارثة نفسها. حين تصبح المؤسسات الدولية غير قادرة على الحفاظ على استقرار المفاهيم الأساسية، تبدأ تدريجيًا في استيعاب اللغة التي فُرضت عليها. تتحول النقاشات من سؤال "هل وقعت الجريمة؟" إلى سؤال "هل تستوفي الوقائع العتبة القانونية الكاملة؟"، ومن حماية المدنيين إلى الجدل حول تعريف المدني ذاته. وهكذا لا يصبح القانون معلقًا فحسب، بل تصبح اللغة التي يقوم عليها القانون نفسه قابلة للتآكل السياسي.

هذا الانهيار ليس طارئًا ولا منفصلاً عن التاريخ. فالأنظمة الاستعمارية أدركت مبكرًا أن السيطرة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر التصنيف والإدارة وإنتاج الفئات القانونية. في فلسطين الانتدابية، لم يكن الحكم البريطاني قائمًا فقط على الجنود والسلاح، بل على منظومة كاملة من قوانين الطوارئ، والاعتقال الإداري، والعقوبات الجماعية، وإعادة تعريف السكان ضمن فئات أمنية متحركة. كانت "الحالة الاستثنائية" تتحول تدريجيًا إلى قاعدة دائمة للإدارة السياسية، وهو الإرث الذي ما زالت كثير من أنظمة الأمن الحديثة تعمل ضمن منطقه حتى اليوم.

وما نشهده اليوم هو النسخة الرقمية والمعولمة من تلك البنية القديمة. فالسلطة لم تعد تحتاج إلى إخفاء الواقع بالكامل، لأن الصور نفسها أصبحت متاحة على مدار الساعة. ما تحتاجه هو إنهاك اللغة التي تفسر الواقع. يكفي إغراق المجال العام بسيل لا ينتهي من التبريرات، والاستثناءات، والالتباسات، حتى يصبح الوصول إلى توصيف ثابت أمرًا شبه مستحيل. ومع الزمن، لا يعود الهدف إقناع الناس برواية محددة، بل دفعهم إلى فقدان الثقة بإمكانية الوصول إلى حقيقة مستقرة أصلاً.

ولهذا فإن الخطر الذي تكشفه غزة اليوم لا يقتصر على حجم الدمار الإنساني، بل يمتد إلى ترسيخ نموذج تصبح فيه الحقيقة نفسها قابلة للإدارة السياسية، ويُفرَّغ فيه القانون الدولي تدريجيًا من معناه عبر إنهاك اللغة التي يستند إليها.

فالأنظمة لا تنهار فقط حين تفشل في منع الجرائم، بل حين تفقد القدرة على التعرّف على الجريمة بصورة ثابتة ومتماسكة. والأشد خطورة أن الفئات التي تسمح أصلاً بفهم الانتهاك أصبحت هي نفسها خاضعة للتفاوض السياسي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.