عندما وقفَ زعيمُ المعارضة في انتخابات المجر بيتر ماجار أمام أنصاره المبتهجين بالفوز، قال متباهياً: «أصدقائي، لقد صنعتم معجزة، وأعدتم كتابةَ تاريخ المجر». هذه العبارة تحمل كثيراً من الصدق؛ لأنَّ الانتخاباتِ لم تكن بين معارضة وسلطة؛ بل بين مشروعين يتجاوزان حدودَ المجر، هما: الديمقراطية الليبرالية، والوطنية الضيقة.
فالديمقراطية الليبرالية تركّز على حريات سياسية واقتصادية، وعلى مؤسسات تحمي تلك الحريات، وتتَّسم بالعدالة والاستقلال والمحاسبة، وتحفظ مصالحَ الفئات الأكثر تهميشاً بالمجتمع؛ بهذه الصيغة تبني الليبرالية مجتمعاً يتعايش فيه الأضداد من ديانات وآيديولوجيات وإثنيات وأقليات. وخلاف الليبرالية، تسعى الوطنية الضيقة لتقليص الحريات لحماية قيم دينية أو آيديولوجية أعلى، وتتحرَّك المؤسسات لتثبيت الرؤية الصافية للوطن؛ حيث تصبح الفئات الأخرى المغايرة عرضة للتمييز والتهميش.
في انتخابات المجر، مثَّل الزعيم فيكتور أوربان الانغلاق الوطني، وجسد بيتر ماجار الانفتاح الليبرالي، فدعَم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأول، وساند الاتحاد الأوروبي الثاني.
أوربان عندما كان شاباً بدأ ليبرالياً، وكافح من أجل محاربة الشيوعية، وأسس حزب «فيديس» عام 1989؛ لكنه ابتعد تدريجياً عن المسار الليبرالي، وتقارب أكثر مع الخط الوطني الضيق، وأصبح صوتاً ممثلاً للتيار اليميني المتشدد الشعبوي في المجر، وداعية كبيراً لحماية الحضارة المسيحية- اليهودية في أوروبا من تهديدات ما يعتبره غزواً إسلامياً من اللاجئين الوافدين من بلدان إسلامية.
ومثلما دعمه الرئيس بوتين بكل أدوات المساندة الاقتصادية والإعلامية، سافر نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، وبطلب من الرئيس دونالد ترمب، إلى المجر، وحث المجريين على التصويت لأوربان، اعتقاداً بأنَّ خسارته تمثل انكساراً لحركة يمينية أوروبية واعدة تحمي أوروبا مما سمَّاه جيه دي فانس «الامِّحَاء الحضاري».
وما لم ينتبه له أوربان، ومعه داعموه، أنَّ الناس تهتم أولاً وقبل كل شيء بمعيشتها، وبالخدمات الضرورية من تعليم واستشفاء، ومساواة في تطبيق القانون، ومهما خدعها الشعار فإنَّها ستدرك أنه لن يوفر لها رغيفَ خبز ولن يشفي مريضاً.
هذا الفارق انتبه إليه زعيم المعارضة بيتر ماجار الذي بدأ حياته السياسية في حزب «فيديس» الوطني المنغلق، ثم تحول إلى ديمقراطي ليبرالي. لم يغير ماجار قناعاته كلها، ولم يصبح ليبرالياً عتيقاً؛ بل تيقن بأن أوربان، بعد بقائه في السلطة ستين عاماً، تحول إلى مستبد بغطاء ديمقراطي، وهذا برأيه لا يخدم الوطنية المغلقة، ولا يخدم المجر. فقد تمكن أوربان من السيطرة على الإعلام بنسبة 80 في المائة، وأخضع القضاء لسلطته، وفكك الكوابح التي تحمي الديمقراطية من تغول السلطة؛ بل فصَّل قوانين انتخابية على مقاسه، ومنها تقليص عدد النواب، وتغيير الدوائر الانتخابية لضمان أن يبقى حاكماً بالديمقراطية للأبد.
استراتيجية ماجار بسيطة جداً: إصلاح الاقتصاد، ووقف الفساد، واستقلالية القضاء، ورفع القيود عن الإعلام المستقل، والتمسك بالاتحاد الأوروبي؛ لأنَّه السبيل المنعش للاقتصاد، والانفتاح، وتحسين الخدمات العامة، وإشعار المجريين بأن عظمة بلادهم ليست بالانغلاق؛ بل بالانفتاح من دون تفريط.
لم يتحدث ماجار عن الحضارة المسيحية ولا عن الهجرة، ولم يركز في حملاته على العاصمة لمعرفته بأنها معه؛ بل على الأرياف والبلدات، لإفهامهم أن التصويت له هو ورقة لحياة أفضل، وعيش أرغد.
فاز زعيم المعارضة فوزاً كاسحاً، ما اضطر أوربان للاعتراف بالهزيمة، بعدما بلغت نسبة المقترعين 79.56 في المائة، وهي الأعلى منذ سقوط النظام الشيوعي.
هذا الانتصار له تبعات داخلية وخارجية: داخلياً، ستفكك السلطة الجديدة ما بناه أوربان من سلطة استبدادية اعتبرها «متنورة» تُعرِّفُ ذاتها بنفيها للآخر المغاير. بهذا التفكيك ستعود المجر لتكون مكاناً جامعاً للأضداد، والتعايش تحت مظلة القوانين، ومسترشدة ببوصلة الخير العام. خارجياً، سيمثل الانتصار ضربة للرئيس بوتين الذي راهن على أوربان، وسيكون نكسة لتيار «أميركا أولاً» الذي انغمس في التأييد لأوربان؛ ظاناً أنه المنتصر. لذلك قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، فرحةً: «المجر اختارت أوروبا، والاتحاد الأوروبي سيصبح أكثر قوة». فالاتحاد الأوروبي بإزاحة أوربان انقلعت شوكة من خاصرته كانت تعرقل مساعدة أوروبا لأوكرانيا، وبرحيله زال هاجس الخوف من تسرب معلومات سرية أوروبية لبوتين. وبانتصار المعارضة في المجر، أصبحت أوروبا أكثر تجانساً في وقت تحتاج فيه أن تكون متكاتفة في وجه أخطار كبرى.
ورغم هذا التفاؤل، لا يوجد ما يضمن أن ماجار لن يتعاون مع بوتين، أو يدير ظهره لترمب؛ فماجار ليس ليبرالياً للنخاع، إنما -إنقاذاً للبلاد- طعَّم آيديولوجية أوربان بفكر ليبرالي، فنال رضا أوروبا، ولم يخسر تعاون بوتين، ولا استدعى غضب ترمب. لهذا يراهن عليه الجميع، ويعيدون حساباتهم، وإذا ما تكررت تجربته في الانتخابات الأوروبية القادمة، فستكون نهاية موجعة لليمين المتشدد، وبالذات لنظرية الصفاء الحضاري الأوروبي.

