آثارُ هذه الحرب العَوان في مياه الخليج العربي وسواحله، تطولُ العالمَ أجمع، وما خبر مضيق هرمز عنّا بِسرّ... غير أن أولى الدول بأمن الخليج، بحره وبرّه، حجره وبشره، حاضره ومستقبله - بل ماضيه - هي دول الخليج العربية نفسها.
أرسل «الحرس الثوري» الإيراني سريّة بحرية غازية لجزيرة «بوبيان» الكويتية، لكن رجال الكويت تصدّوا لها وأسروا عناصرها.
وفي دول: البحرين والإمارات والكويت حتى قطر، أُعلن عن القبض على خلايا تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني.
أمّا أطماع إيران القديمة المتجدّدة في البحرين، فنبأها معلوم وسرّها غير مكتوم، والإنسان الفطن من يحتاط للأمر قبل وقوعه، ويلبس للثعلب جلد الأسد.
صواريخ ومُسيّرات إيران الآتية منها أو من العراق أو من غير ذلك، لوّثت سماوات المدن العربية الخليجية وقتلت وخرّبت، وكل العالم رأى ذلك.
فوق هذا وقبله وبعده، خنقت إيران مضيق هرمز الذي هو شريان التجارة البحرية الخليجية، بما في ذلك دولة إيران نفسها!
وعليه، فقد كان طبيعياً أن «تحتشد» دول الخليج للدفاع عن نفسها، وفي هذا السياق عقد وزراء داخلية دول الخليج العربية أمس اجتماعاً وزارياً طارئاً في مدينة الرياض، برئاسة مملكة البحرين، لبحث الأزمة والخطر الأمني على دول الخليج.
جاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ذكر أن الوزراء المجتمعين أكّدوا أن أمن دول مجلس التعاون «كُلٌّ لا يتجزأ» على وقْع أخبار القبض على جملة من الخلايا بهذه الدول مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، والتصدي لكل ما يستهدف أمن واستقرار دول المجلس، ومكافحة جميع أنواع الإرهاب.
نعم، «كُلٌّ لا يتجزّأ». وهذا معنى حقيقي وليس عبارة شعرية، معنى له آثار تطبيقية، وليست جملة مُعلبّة «كليشيه» تُقال في البيانات.
هل يعني ذلك انعدام الخلافات البينية؟!
طبعاً الجواب لا، ولكنه يعني أن هناك قضايا ما، وهناك «أُمّ القضايا»، و«كل القضايا»، حين يكون «النموذج» الخليجي نفسه عرضة للخطر الوجودي.
الكاتب الكويتي جاسم بودي عبّر بمقالته في جريدة «الراي» الكويتية عن هذا المعنى الوجودي، فقال: «اعتبرت دول المجلس الاعتداء على إحداها اعتداءً عليها كُلّها... ومن هذه الأزمة، وما أثْبتته من قُدرات ذاتية لدول المجلس ومن تأثير عالمي لمنطقتنا، علينا البناء على ما حصل واعتباره فُرصة تاريخية لتطوير ما هو قائم إن كُنّا ننشد مُستقبلاً أفضل لشعوبنا».
نعم، لقد أثبتت هذه الحرب بحسمٍ ويقين أن مصير دول الخليج واحد، وهكذا يُنظر لها من الخارج، فالحكمة تقول إنه يجب تعظيم مساحة الاتفاق، وتقليل مساحة الشقاق.
ورحم الله الشاعر الدارمي حين قال:
أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ من لا أَخاً لَه
كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ
وإِنَّ ابن عم المرءِ فاعلم جناحُه
وهل ينهضُ البازي بغير جناحِ؟!

