يجمعنا وطن عظيم يحتل أراضي شاسعة في قارتي آسيا وأفريقيا، نعيش نحن العرب وقد تجاوز تعدادنا نصف مليار نسمة في 22 دولة هي قلب العالم قديمه وحديثه، ومسرح أحداثه التاريخية. وتطل دول وطننا على بحار ومحيطات وخلجان، وتتحكم ليس فقط في طاقة العالم بل وشرايين اقتصاده. ومنذ قرون بعيدة حتى قبل الحركات الاستعمارية في العصر الحديث والتي انتهت بالحدود السياسية التي نراها اليوم بين بلداننا، وحلم «الوحدة» يراود سكان هذا الوطن وبأشكال مختلفة، منهم من اختصره في فكرة الاتحاد تحت راية الخلافة الإسلامية، ومنهم من رأى أن الاتحاد لا يعني إلغاء الهوية الذاتية لكل بلد من بلدان وطننا الكبير، ضارباً المثل بفكرة الاتحاد في الغرب، التي أفرزت ما يعرف بـ«الاتحاد الأوروبي». وإذا ما طرحنا كل النقاشات السياسية والدينية والاقتصادية جانباً ونظرنا إلى الزاوية الثقافية والاجتماعية نجد أننا - الضمير هنا عائد على مفكري هذا الوطن ومثقفيه - أخطأنا خطأً عظيماً بأننا لم نتخذ ولو خطوة واحدة نحو فكرة الاتحاد، بل على العكس وقع في ضمائرنا وربما ثقافتنا أنه ليس علينا فعل شيء وأن أمر الوحدة كله متروك للسياسيين والمخططين الاستراتيجيين!
أنظر اليوم وقد مر عليّ أكثر من نصف قرن أمضيتها في العمل في مجال المتاحف والحفائر الأثرية وأتساءل هل عجزنا رغم إمكانات هذا الوطن من إقامة أعظم متحف في العالم يحمل اسم متحف الوطن العربي؟ لماذا لم يفكر أحد من قبل في إقامة متحف عظيم يضم 100 ألف قطعة أثرية من آثار بلدان الوطن العربي من الخليج إلى المحيط؟ متحف نرى فيه عظمة الحضارات على أرض وطننا جنباً إلى جنب لا يفصل بينها سوى قاعات المتحف الذي أتخيله كأعظم متحف بين متاحف العالم. متحف يبنيه أهل هذا الوطن جميعهم ويعمل به 22 أمين آثار يمثلون 22 دولة عربية.
متحف يسعنا جميعاً ويذكرنا دائماً بأننا أبناء وطن واحد متعدد الحضارات. متحف يقف كسد منيع لمن يحاول كسرنا وتفريقنا. متحف يعلمنا أن الاختلاف قوة وليس ضعفاً. متحف يعلم أبناءنا وأحفادنا أننا فكرنا وحاولنا أن نجمعهم سوياً ليزدادوا قوة ببعضهم بعضاً، وأن عليهم السير في طريق الاتحاد الصعب لكنه ليس بمستحيل.
أسمع الآن أصوات الفرقة تضع المسمار الأول في نعش هذا الحلم بطرحها السؤال: وفي أي بلد من الوطن العربي نقيم متحف الوطن؟ وتكاد تلك الأصوات تتحول إلى الصراخ: ولماذا ينفرد بلد واحد بهذا الحلم؟ وفي حقيقة الأمر أنه إذا لم تعلُ قيمة الحلم بوجود متحف الوطن العربي على الجدال حول المكان الذي سوف يقام فيه المتحف! فإن الحلم سيفشل من دون شك حتى قبل أن يولد. أنا لا يعنيني في أي بلد نقيم متحف الوطن طالما أننا جميعاً سنمتلكه ونرى فيه حضاراتنا وهوياتنا تبهر العالم كله. متحف الوطن لن يكون ملك دولة، بل ملك وطن. هذا مجرد حلم أتمنى أن أراه يتحقق ولدينا العقول والخبرات والموارد ولا ينقصنا سوى شيء واحد وهو الإيمان بقدراتنا وإرادتنا، وأخيراً التشبث بالحلم.

