: آخر تحديث
أضواء

هل راح المغني!؟

4
4
4

كان صباح يوم الجمعة قاسيًا جدًا، حزينًا وصاعقًا كأنه قذيفة قاتلة هبطت دفعة واحدة فوق صدري. لم أكن قد كفكفت دموعي ولملمت منديلي بعد على رحيل الصوت العربي الرخيم، عبد الهادي بلخياط، الذي غادرنا مساء الجمعة الثلاثين من كانون الثاني (يناير) 2026، ولا كنت قد استوعبت تمامًا ذلك الفراغ الذي تركه رحيل أيقونة المسرح المغربي نبيل لحلو صباح الخميس السابع من أيار (مايو) 2026، حتى انفتح جرح آخر أكثر عمقًا، وأكثر التصاقًا بطفولتي البعيدة ووجداني وذاكرتي الدفينة. فجأة، اندلع الخبر مثل الحريق في داخلي: وفاة عميد الأغنية المغربية والعربية الموسيقار عبد الوهاب الدكالي صباح يوم الجمعة الثامن من أيار (مايو) 2026.

في تلك اللحظة شعرت بأن معمارًا فنيًا عظيمًا انهار داخلي. لم يمت مجرد فنان في حياتي. كما لم يرحل مجرد صوت وديع في ذائقتي. فالذي غادرني كان قنديلًا في تكويني الروحي، من مراهقتي القديمة، من شوارع مكناس العتيقة، من المقاهي الصغيرة التي كانت تطلق أغانيه من مذياع مهترئ، من ليالي الشتاء الطويلة التي كنت ألوذ فيها بصوته كمن يختبئ داخل معطف من الحنين الدافئ.

كانت علاقتي بأغاني عبد الوهاب الدكالي أشبه بعشق وثني قديم. نعم، أعترف بذلك بلا خجل. كنت أتواشج مع أغانيه كما يتواشج الناسك في صلاته السرية. أعود إليها كلما ضاقت بي الحياة، وكلما شعرت بأن العالم صار باردًا وشاردًا في اللامعنى. لم تكن الأغنية عنده مجرد لحن وكلمات، بل كانت وطنًا صغيرًا يسع أحزاننا وأفراحنا كلها. كان يغني فنشعر أننا نحن الذين نتكلم، نحن الذين نعشق، نحن الذين نخسر، نحن الذين نحلم بوطن أكثر دفئًا ومحبة وأقل قسوة.

أتذكر جيدًا تلك السنوات البعيدة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، يوم كانت أغانيه تتسلل من نوافذ البيوت المغربية مثل بخور عبق وخفيف. كنا ننتظر بشغف كبير ظهوره في التلفزيون في سهرة السبت كما ينتظر الأطفال هدايا العيد. وحين كانت أغنية "حبيب الجماهير" تنبعث من جهاز الراديو، كنا نشعر أن المغرب كله يغني معنا بصوت واحد. كان حضوره مختلفًا، مهيبًا، لكنه قريب من القلب والأحاسيس. لم يكن يشبه أحدًا. كان يحمل في صوته شيئًا من كبرياء المغرب، ومن أمجاد المغاربة أيضًا. وحين كان يغني، كانت اللغة العربية نفسها تبدو أكثر جمالًا وأكثر قدرة على التأثير في جوارحنا.

أحيانًا كنت أستمع إلى أغنية "مرسول الحب" وحيدًا في الليل، وأشعر أنني لا أسمع موسيقى، بل أسمع سيرة حياتي كاملة. كنت أخال بعض الأغاني تشبه رسائل شخصية موجهة خصيصًا إليّ وحدي. كنت ألصق أذني قرب بوق المذياع وأتركها ترمم الخراب الوجودي الذي لا يراه أحد. وكم مرة رددت معه "لا تتركيني" وأنا أشعر أن الأغنية تتحدث عن توسلاتي الصغيرة وعن خوفي القديم من الفقدان والوحدة. وكم مرة أنقذتني أغانيه من اليأس العارم؟ كم مرة منحتني قدرة غامضة على الاستمرار في الصبر؟ لا أستطيع أن أحصي ذلك الآن وأنا في الطريق هائمًا إلى مقبرة الشهداء.

لقد كان عبد الوهاب الدكالي أكبر من مجرد مطرب. كان مدرسة رفيعة في الإحساس العربي النبيل. كان يحمل المغرب العميق في نبرته، في اختياراته الشعرية، في وقاره الفني، وفي تلك المسافة الراقية التي حافظ عليها دائمًا بين الفن والابتذال. لم يكن يركض خلف الضجيج، بل كان الضجيج الراهن كله يصمت احترامًا له. وحتى أغنيته الأسطورية "كان يا ما كان" لم تكن بالنسبة إلينا مجرد أغنية عاطفية من تراث الغزل العفيف، بل كانت حكاية جيل كامل عاش الحب والهزائم والأحلام المؤجلة.

وأنا أكتب هذه الكلمات الآن بمداد الدمع المهراق، أشعر بأن جيلًا كاملًا يغادرنا خلسة دفعة واحدة. جيل الأصوات الكبيرة التي كانت تصنع معنى العبقرية لا الضجيج، وتصنع الخلود لا الشهرة الزائفة والعابرة.

إن رحيلك يا عزيزنا ويا حبيب الجماهير ليس حدثًا فنيًا عاديًا، بل هو انطفاء مصباح كبير من مصابيح الذاكرة المغربية. أشعر وكأن المغرب نفسه صار أكثر أزمة هذا الصباح.

والمؤلم في هذا الأمر أنني كنت أظن، بسذاجة طفل عجوز، أن هذا الرجل العظيم لن يموت أبدًا. كنت أعتقد أن بعض الأصوات خُلقت لكي تبقى خارج قانون الطبيعة والزمن. كنت أظن أن أغانيه ستواصل العيش معنا إلى الأبد وهو جالس هناك في شرفة ما في برجه السامق في كازابلانكا، يراقب العالم بصمته النبيل وابتسامته الهادئة. لكن الموت، ذلك اللص الأعمى، لا يترك لنا حتى أوهامنا الجميلة.

اليوم، وأنا أستعيد رصيده الموسيقي الجميل، أشعر أنني لا أستمع فقط إلى أغنيات قديمة، بل أفتح أرشيف حياتي الشخصية. كل أغنية تقودني إلى زمن مختلف، إلى وجع قديم، إلى حب مضى، إلى شارع اختفى، إلى مقهى هدمته السنوات. لقد صار صوته جزءًا من ذاكرة المكان المغربي نفسه. وحين يموت فنان بهذا الحجم والقامة، فإن المدن أيضًا تشيخ فجأة.

بكيت هذا الصباح في جوانيتي في صمت. بكيت كما يبكي الرجال الذين يعرفون أن جزءًا من شبابهم قد دُفن نهائيًا. شعرت بأنني فقدت فردًا من عائلتي الروحية. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، خفت على الأغنية المغربية من السكتة القلبية. من سيمنحها الآن ذلك الوقار الفني النادر؟ من سيعيد إليها دفء الروح المغربية القديمة؟ من سيجعل الكلمات تبدو كأنها خارجة من قلوب الناس البسطاء؟

وبالرغم من كل هذا الحزن المهيب، أعرف أنك سيدي عبد الوهاب لم تمت. الفنانون الكبار العظماء لا يموتون. إنهم يخلدون ويواصلون العيش داخل الأصوات، داخل الذكريات، داخل الدموع التي يتركونها في عيون محبيهم. سيظل صوتك يسكن المقاهي القديمة، والسيارات العابرة، والبيوت المغربية التي كبرت على أنغامك. سيظل حاضرًا كلما شعر أي مغربي أو مغربية بالحنين إلى زمن أكثر نقاءً وأقل صخبًا.

أما أنا، فسأظل أحتفظ بذلك العشق الوثني القديم لأغانيك، كمن يحتفظ بسر مقدس لا يريد للعالم أن يلوثه. وسأظل كلما استمعت إلى "مرسول الحب" أو "لا تتركيني" أو "كان يا ما كان" و"يا لغادي في الطوموبيل" أشعر أن المغرب، بالرغم من كل شيء، كان جميلًا ذات زمان وسيبقى جميلًا ما دامت تملأ هواءه نغمات أغانيك وأغاني جيلك الجميلة.

لم تبق إلا شمعة تبكي على ما ضاع مني وتذوب في دمعي وتقول "هل راح المغني؟"

هذا آخر مقطع من قصيدة "لا تتركيني" للشاعر المصري محمد الجيار التي لحنها وغناها الموسيقار عبد الوهاب الدكالي في أواسط الستينيات من القرن الماضي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات