يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير "الكرسي" ببرهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة، بأشكالهما، من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي سالت بسببها دماء عشرات آلاف الشبان الكرد، ناهيك عمن أمضوا أعمارهم في غياهب السجون، أو تعرضوا للتهجير والاقتلاع من الجذور. خلال دقيقة وسبع وخمسين ثانية يضغط أكرم سيتي تاريخًا طويلًا من الخيبات داخل صورة مقتضبة، تاركًا حركة الجسد والإضاءة والفراغ لأداء وظيفة التعبير الشفاهي، عبر اللغة، أو الكلمة، فيما يغيب الحوار تمامًا، منطلقًا من أن حالة الغثيان الناجمة عن الضجيج السياسي المفتعل استُهلكت طويلًا، وأن الصورة وحدها صارت أقدر على فضح الخراب.
يحمل "الكرسي" مقومات وبنية الفيلم القصير المكثف، إذ يبتعد عن السرد التقليدي، متجهًا نحو اختصار وتكثيف الفكرة ضمن أضيق إطار زمني، أكثر دلالة وأسئلة واخزة. حيث نجد الكرسي يتحول، هنا، إلى مركز جذب بصري، إلى سلطة تبتلع ما حولها، فيما يتحرك الإنسان الكردي مقموعًا، داخل هامش الهامش، مرهقًا، منهكًا، مراقَبًا، ومحمّلًا بتاريخ وإرث طويلين من الحلم والانتظار. من هنا تخرج اللقطة البصرية، مشبعة بإدانة واضحة لحالة استثمار القضية الكردية لأجل المقاعد والمواقع الشخصية، حيث يلمح الفيلم إلى أولئك الذين صعدوا فوق دم الضحايا، ثم انشغلوا بحسابات النفوذ والمال والواجهة السياسية، وها نرى ذلك يتحقق أمام العيان!
يحمل "الكرسي" وعيًا شديدًا، وعاليًا بطبيعة السلطة داخل البيئات السياسية المغلقة، إذ تتحول القيادة تدريجيًا إلى حالة انفصال وانفصام كاملتين عن المحيط، وتبدأ اللغة السياسية بإنتاج قشرة خطابية واسعة تغطي الفراغ الداخلي والعجز والتكلس، فيما يشتغل أكرم سيتي على فضح هذا التكلس، تحديدًا، عبر الاقتصاد البصري الحاد، فكلما ضاقت مساحة الصورة اتسعت مساحة القراءة، وكلما تقلص الزمن تضاعف الضغط النفسي داخل المشهد. من هنا، تمامًا، يخرج الكرسي داخل الفيلم باعتباره مركز استبداد صامت، لا يحتاج إلى الصراخ أو العنف المباشر، لأن مجرد بقائه ثابتًا يكشف حجم الخراب الذي يدور حوله.
يدرك الفنان والمخرج السينمائي أكرم سيتي أن الاستبداد قد لا يتحرك، دائمًا، عبر الدبابات والشعارات الثقيلة، فثمة نوع أكثر شراسة وتغولًا وعنفًا، ينمو ببطء داخل التنظيمات والأحزاب والقيادات طويلة الإقامة فوق المناصب، عندما يتحول هذا النوع إلى حالة كارثية، غير مجدية، لا تبيع سوى الأوهام، حيث يبدأ السياسي بالنظر إلى القضية من منظورها الوسيلوي، لإعادة إنتاج حضوره الشخصي، وبديهي أنه يستعين، في هذه الحالة، باللغة الثورية، المعلبة أو المثعلبة، التي باتت فاقدة كل مقومات وشروط صدقيتها، نتيجة المعيش والمهيمن من الصدمات والكوارث، تحت ضغط الامتيازات والمال والعلاقات الخاصة. لهذا تبدو حركة الجسد داخل "الكرسي" مراقبة ومتوترة، في محاكاة لحالة الإنسان الكردي الذي صار محاصَرًا داخل دائرة مغلقة من الخطابات المتشابهة والوجوه المتكررة.
الفيلم يفتح أيضًا مواجهة مباشرة مع آلة الفساد لأنه نتاج ومعطى حالة ذهنية وثقافية تتجاوز المال، إذ يلمح إلى الفساد المرتبط بتقديس الموقع، وبالاستحواذ الطويل على القرار، وبإقصاء الأصوات الجديدة، وبالبرودة الأخلاقية تجاه الدم الكردي الذي تحول مع الزمن إلى مادة استهلاك سياسي وإعلامي، مكشوف، مفضوح، مرئي أمام أعين الكرد. وهكذا تتحول اللقطة القصيرة، على يدي الفنان سيتي، إلى تشريح مكثف لبنية سياسية أنهكها التكرار وحالة الجمود، فيما تبقى القضية نفسها خارج دائرة الأولويات الفعلية.
ضمن هذا السياق تظهر أهمية الفيلم القصير كجنس سينمائي شديد التأثير والحساسية، إذ يعتمد على الكثافة والصدمة البصرية، بعيدًا عن الشروحات والاستطالات، لأن الفيلم الطويل يمتلك فسحة واسعة للشرح والتوسع وبناء الشخصيات، بينما يتحرك الفيلم القصير داخل منطقة أكثر خطورة، وأكثر مصاعب، وأحوج إلى التركيز وروح الإبداع، لأنه يضع الفكرة تحت ضغط زمني جد مضغوط، الأمر الذي يدفع المخرج إلى اختيار عناصره بدقة شديدة. والفنان أكرم سيتي ينجح هنا في استثمار هذا الضغط، حيث يحول، بمهارة، هذه الدقيقة الواحدة إلى رسالة دلالية، من خلال توظيف حركات الجسد والإضاءة والفراغ والصمت، وتحويل كل ذلك إلى عناصر تحليل بصري، ضمن بناء محكم مؤثر.
اللافت أيضًا أن "الكرسي" يبتعد عن المباشرة الخطابية بالرغم من طبيعته السياسية الواضحة، بعيدًا عن رفع أي شعارات، أو مضامين وخطب جاهزة، عبر الاعتماد على تفاعل العرض والمشهد من داخله أمام أعين النظارة، أو المتلقين، وهذه إحدى خصائص الفيلم القصير الناضج، حيث تنشأ الفكرة من التوتر الداخلي للصورة، عبر استبعاد العنصر الخارجي. من هنا يكتسب العمل قيمته النقدية، لأنه يضع المتلقي داخل حالة مراقبة وتأمل وقلق، ويجعله شريكًا في تفكيك المشهد السياسي الكردي وما تراكم داخله من استبداد وفساد واغتراب عن الناس.
اعتماد أكرم سيتي على إمكاناته الفردية في التمثيل والتصوير والإضاءة يمنح الفيلم أيضًا بعدًا ثقافيًا إضافيًا، إذ تبدو التجربة امتدادًا لحالة الفنان الكردي الذي اعتاد العمل في ظروف محدودة، حاملًا مشروعه الفني فوق كتفيه دون مؤسسات إنتاج حقيقية. لهذا يخرج "الكرسي" متحررًا من الزخرفة التقنية، قريبًا من السينما التي تؤمن بأن الفكرة الحادة والصورة الدقيقة قادرتان على إنتاج أثر أعمق من الإمكانات الضخمة.
داخل هذه المساحة القصيرة ينجح أكرم سيتي في نقل شعور الاختناق السياسي الذي يرافق الإنسان الكردي منذ عقود، حيث تتحول السلطة إلى دائرة مغلقة، ويتحول الكرسي إلى هدف قائم بذاته، فيما يبقى الناس خارج الصورة السياسية الفعلية. هكذا يخرج الفيلم أقرب إلى وثيقة بصرية مضغوطة عن تعب كردي طويل، وعن سلطة استهلكت القضية حتى صارت تتغذى على بقائها معلقة ومفتوحة ومؤجلة.
اللافت في هذا العمل أن فكرة الفيلم تعود إلى الفنان نفسه، ناهيك عن أنه الممثل الوحيد، والمخرج والمصور ومهندس الإضاءة، الأمر الذي يمنح العمل طابعًا شديد الخصوصية، ويجعل الصورة أقرب إلى شهادة شخصية صادرة عن فنان عاش التحولات الكردية من العمق الفني الثقافي والسياسي معًا. لدرجة أن الصمت البادي داخل الفيلم يؤدي وظيفة دقيقة، من خلال استثمار الثواني القليلة كمعادل لحالة اختناق سياسي ونفسي، فيما تبدو الإضاءة حادة وكاشفة، تفضح المكان، من دون أي محاولة للمكيجة، أو التجميل.
خلفية أكرم سيتي الموسيقية تظهر بوضوح ضمن إيقاع الصورة، فالرجل الذي ولد في حي قدور بك الكردي في قامشلي عام 1965 وعُرف باعتباره أول عازف أورغ كردي ضمن فرق ضمت صلاح أوسي وصلاح رسول ونذير محمد ومحمد أمين جميل ومحمود عزيز وسعيد يوسف، حمل حسه الموسيقي إلى الكاميرا، فصار يتحكم بالإيقاع البصري في إهاب تحكم الموسيقي بالأنغام. إلى جانب الموسيقى عمل ملحنًا ومدربًا لفرق فلكلورية، كما أسس عام 1982 فرقة أطفال شاركت في المهرجان القطري في سوريا، ونالت المرتبة الأولى، فيما سافرت الفرقة وحدها بإدارة صديقه الراحل الفنان أحمد حسين، ولم يتح له السفر، باعتباره مواطنًا أجنبيًا، كحالة الكرد السوريين منذ الإحصاء الاستثنائي الجائر عام 1962، من دون أن ينسى أثر حضور تلك الواقعة المبكرة داخل وعيه الفني، إلى جانب ضغوطات وتهديدات كثيرة، تعرض لها، ما اضطره للهجرة منذ عام 1994، شأنه في ذلك شأن الإنسان الكردي المبدع، صاحب الموقف، الذي لا يفتأ يظل في أعماله محاصَرًا دائمًا بالإقصاء والانتظار ورعب الحدود المزروعة بالقنابل ورصاص حرس الحدود الذين جزّأوا خريطته.
شارك أكرم سيتي في احتفالات نوروز، وعمل في إذاعة وتلفزيون "فيزا تيفاو"، ثم اتجه إلى السينما القصيرة باعتبارها فضاءً قادرًا على احتواء القلق السياسي والاجتماعي الذي يحمله. منذ فيلمه الأول "الظل الجاف" عام 2013، والذي شارك في مهرجان مونستر واختير ضمن 110 أفلام على مستوى ألمانيا، بدا واضحًا ميله إلى الاشتغال على الموضوعات الحادة المرتبطة بالتشوه السياسي والاجتماعي. بعد ذلك توالت أعماله مثل "الإرهابي"، و"العلم الكردي"، و"فيلم المخدرات"، وفيلم "سباق الدراجات النارية" للتلفزيون الألماني، إضافة إلى "عندما يصبح الذئب راعيًا للقطيع" المرتبط بالثورة السورية، حيث واصل اشتغاله على مناطق الانهيار الإنساني وهيمنة العنف والسلطة.
ضمن تجربة الفنان سيتي، يبرز، أيضًا، ثمة حضور لأفلام وثائقية منها فيلم "الوداع الأخير" عن حياة الشاعر الراحل آرشف أوسكان، وعن الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد، وفيلم "الرأس" عن نص لإبراهيم اليوسف، وعمل آخر عن الفنان المسرحي أحمد إسماعيل. حاليًا يعدّ فيلمًا جديدًا عن الزهايمر، الأمر الذي يكشف استمرار انشغاله بالإنسان المهدد بالفقدان، سواء داخل الذاكرة الفردية أو داخل الذاكرة الجماعية.
حتى الآن أخرج أكرم سيتي أحد عشر فيلمًا قصيرًا ووثائقيًا، على امتداد محطات فنية وثقافية متعددة، بدأت من الموسيقى والفلكلور واحتفالات نوروز، إلى أن وصلت إلى الإذاعة والتلفزيون في ألمانيا، وعالم الأفلام السينمائية القصيرة. ضمن هذه الرحلة الطويلة يبرز فيلم "الكرسي" واحدًا من أكثر أعماله تقنية ودلالة، إذ يضع السلطة الكردية أمام مرآة محايدة ودقيقة وقاسية، تاركًا عدسة الكاميرا كي تراقب ذلك النخر الصامت الذي تتراكم هيولاه وخلاياه الفاسدة المدمرة فوق كرسي صغير، فيما تبقى القضية الكردية معلقة بين تضاعيف الصورة، متعبة، ومثقلة بتاريخ كامل من ترقب وصول قطار غودوت بعض المهيمنين الذين لا بد من تجاوزهم لتحقيق حلم من أكثر شعوب الشرق الأوسط التي تعرضت للاضطهاد؟


