: آخر تحديث

التوضيح الثاني لكاهن العنصرية

6
5
3

يقول ليفي: «لفهم الفكرة وراء هذه التحركات، علينا العودة لأحداث 7 أكتوبر، ووحشية الرد الإسرائيلي، وتعثّر مساعيها نحو الاندماج الإقليمي، مع توقف قطار التطبيع مع العرب، هنا واجه نتانياهو خياراً صعباً: إما استئناف جهود التطبيع الإقليمي عبر نهج أكثر توافقاً مع الفلسطينيين، وإما التمسك بموقفه الرافض لأي مستقبل فلسطيني. باختياره الخيار الثاني، كان عليه إزاحة إيران عن موازين القوى الإقليمية، وهي خطوة تتطلب تدخلاً عسكرياً أمريكياً مباشراً وواسع النطاق إلى جانب إسرائيل».

يضيف الإسرائيلي ليفي: «في الأيام التي سبقت الحرب الإيرانية، لاحظ اثنان من الشخصيات الأمنية الإسرائيلية السابقة المؤثرة، في مقال لمعهد القدس للإستراتيجية والأمن، أنه من وجهة نظر الدول السنية الإقليمية الرئيسية، فإن إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بشكل كبير من شأنه أن يرسخ مكانة إسرائيل قوةً إقليميةً مهيمنةً. وأن تحقيق هذا الهدف يتطلب ليس فقط انهيار إيران، بل إضعاف دول مجلس التعاون الخليجي الست، ودفعها لأن تعتمد على إسرائيل في الأمن ومسارات تصدير الطاقة. بعبارة أخرى، يمكن اعتبار تداعيات الحرب المتمثلة في استهداف دول مجلس التعاون الخليجي بطائرات إيرانية مسيَّرة وصواريخ، سمةً مقصودةً من إسرائيل، لا مجرد أثر جانبي مؤسف».

وكما كان متوقعاً، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الحرب، تأثر وصول صادرات دول مجلس التعاون الخليجي إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز بشدة. وعندما صعّدت إسرائيل من حدة الحرب باستهدافها البنية التحتية للطاقة الإيرانية، نفّذت إيران تهديدها بالاعتداء على دول الخليج. انتهز نتانياهو الفرصة للدعوة إلى «طرق بديلة عن مضيق هرمز ومضيق باب المندب»، متوقعاً «مد خطوط أنابيب النفط والغاز غرباً عبر شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى إسرائيل، وموانئها على البحر المتوسط». وربط نتانياهو، في تصريحات علنية، بعض جوانب مشروعه لفرض سيطرة إسرائيل الكبرى. كما قام، خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي لإسرائيل، بمشاركته في رؤيته لـ«إنشاء منظومة متكاملة، أشبه بتحالف سداسي الأضلاع حول الشرق الأوسط أو داخله»، تضم «الهند، والدول العربية، والدول الأفريقية، واليونان وقبرص، ودولاً آسيوية»، على أن تكون إسرائيل محور هذا التحالف.

ساهمت مقالة نُشرت أخيراً باللغة العبرية من قِبل شخصيتين رفيعي المستوى في معهد الإستراتيجية الرسمي لجيش الدفاع الإسرائيلي في توضيح المبهم من النقاط، والقول إن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بغزو الأراضي مباشرةً، بل سيحقق «سيطرة عمليتية حتى في مناطق بعيدة عن حدود إسرائيل، دون احتلالها أو السيطرة عليها». وستُمنح إسرائيل «مكانةً متفوقةً كملكةٍ للغابة» (ليس من النادر سماع وصف بقية الشرق الأوسط بـ«الغابة» في الخطاب السياسي الإسرائيلي)، مما يُرسي «نظاماً إقليمياً يُعزز أهداف إسرائيل». وفي خطاباته الأخيرة، بدأ نتانياهو يُشير إلى إسرائيل ليس فقط كـ«قوة عظمى إقليمية»، بل، وفي بعض النواحي، قوة عظمى عالمية تسعى إلى وضع نفسها في قلب تحالف إقليمي يُمكن الحفاظ عليه حتى في حال تراجع النفوذ الأمريكي. وقد وعد نتانياهو بنشر هذا التحالف السداسي ضد المحور الشيعي الراديكالي.. والمحور السني الراديكالي الناشئ. ولم تتوانَ إسرائيل عن تسمية التهديد التالي الذي يجب التصدي له، وهي تركيا.

وقال ليفي إن البعض قد يُنظر إلى الحديث عن سيادة إسرائيل الكبرى على أنه مُبالغة نموذجية في زمن الحرب. لكن السياسة الإسرائيلية الأخيرة تشير إلى أن القيام بذلك سيكون خطأً. فالتوجه الحربي الدائم متأصلٌ بعمق في الطبقة السياسية الإسرائيلية، والحكومة، والمعارضة، والمؤسسة الأمنية، ونخبة اليمين الجديد، ووسائل الإعلام. إلا أن هذا التفكير ينطوي على مخاطر جسيمة للتجاوزات وردود الفعل العكسية؛ فهو يُشكل خطراً على إسرائيل نفسها، ولن تقبله المنطقة.

يحدث كل ذلك والبعض منا مشغولون بأحقاد وضغائن تاريخية بالية، في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل حثيثة لتحقيق أحلامها وأهدافها، من تحت أنوفنا، في خضم انشغالنا التام بالاعتداءات الغادرة على دولنا من.. الجارة إيران، فما تشكله من خطر حقيقي يجب ألا يشغلنا عن الالتفات للأخطار الأخرى، من حولنا! ونتمنى أن تكون حكومتنا على دراية بهذه الأمور الشديدة الخطورة، فإسرائيل تتكلم عنها علناً، في عدم اكتراث واضح، بما نعنيه لها.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد