لا يوجد رأي رسمي بهذا الخصوص. ولم يرد في قانون عام 1959 تفسير للأمر، علما بأن سنة 1920 كانت سنة مفصلية في تاريخنا، عندما تعرض الوطن لغزو كاد أن يؤثر في استقلاليته وتميزه، في محيطه، وربما كان شبيها بغزو صدام لنا بعدها بسبعين عاما. كما كان عام 1920 السنة التي تم فيها بناء السور الثالث، الذي أزيل في 1957، والذي كان الأهم والأكبر، لحماية الدولة من غزاة الصحراء. وربما تكون الرواية التي جاء على ذكرها، قبل أكثر من 20 عاما، المحامي الراحل حمد يوسف بن عيسى، هي الأقرب للحقيقة، وكيف أن الاختيار جاء ردا على تساؤل الخبير الدستوري المصري، عبدالرزاق السنهوري (الذي كان له دور في وضع لبنات القوانين الأولى في الكويت، في مرحلة ما قبل الاستقلال)، عن الحدث الذي يمكن أن يمثّل تأسيس المجتمع الكويتي؟ فتم اتفاق لجنة وضع قانون الجنسية، على اختيار عام 1920، المفصلي، لأهميته، وتماشيا مع ما اقتضته الضرورة العملية، بنظر المؤسسين، في التمييز بين المواطن المؤسس، الذي وُجد على هذه الأرض، مقارنة بمن أتى بعدها. والمقصود بالتأسيس أولئك الذين وُجدوا عند تأسيس الدولة، وشكّلوا بوجودهم عنصر السكان أو الشعب، حيث توفرت فيهم، ربما اكثر من غيرهم، شروط الولاء لها، بعد اختيارها وطنا، والإقامة فيها منذ عام 1920، وما قبلها، وحتى عام 1959، سنة صدور القانون، بصفة دائمة. كما تم البدء بإصدار شهادات الجنسية الكويتية، لأول مرة، بعدها بعام، التي أصبحت تمثل الهوية الوطنية والوعاء الذي يضم عصارة تاريخ الأجداد وإنجازاتهم التي حفرت في الصخر، ومهدت الطريق، للأجيال التالية.
وعيت على هذه الدنيا في بداية الخمسينيات، لأسرة من الطبقة المتوسطة، الميسورة الحال، ومع هذا عرفت حينها، وبعدها، لعقود عدة، ما يعنيه الإصرار على الوجود الاختياري على هذه الأرض، والبقاء عليها، بالرغم من صعوبة العيش فيها، والتي لم يكن من الممكن معرفتها، إلا بعد مقارنتها بغيرها، خلال السفر لغيرها من دول الجوار، فقد كنا نقول، مع آهة «عمار يا البصرة»، مقارنة بالحرارة اللاهبة لدينا، وجفاف الطبيعة، ورياح السموم، والطوز المسموم، بحيث أصبحت بضع شجيرات هنا أو هناك، مثل «السدر الأربع»، أو «إثل الخالد»، «معالم جغرافية» شهيرة، وأحيانا «يشد الرحال» لها في الكشتات! فإذا كان هذا حال البعض منا، فماذا كان حال من كانوا أقل حظا، ماديا وصحيا، خاصة من عاشوا على هذه الأرض قبلها بمئة أو مئتي عاما، عندما لم يكن هناك شيء ينتمي حقيقة للحياة الرغدة، أو حتى «رائحتها»؟ وبالتالي فقد كُرّس ذلك الإصرار على البقاء، بالرغم من كل الفقر والجفاف والحرارة الشديدة، وحتى الأمراض والكوارث الطبيعية، كالفيضانات، وسنة الهدامة، وحوادث الغرق البحرية، وانتشار الملاريا، شهادة على صحة الانتماء. فبالرغم من قصر عمري، مقارنة بعمر الوطن إلا أنني، كغيري، سبق أن قابلت وعرفت المئات الذين أتوا لنا، من مختلف الأصقاع، وبقوا لبضع سنوات، واختاروا جميعا، تقريبا، العودة لأوطانهم، بعد ان اكتشفوا مدى قسوة الحياة، بالرغم من توفر فرص العمل الشريف، وكسب المال الوفير.
أحمد الصراف

