: آخر تحديث

أمامَ خنق الممرات البحرية.. الكلمة للقانون

5
4
3

في الجغرافيا، يبدو مضيق هرمز خطاً مائياً ضيقاً، لكن في القانون الدولي هو مبدأ.. وفي الاقتصاد هو شريان حياة. حين يتحول هذا الشريان إلى أداة ضغط، لا تكون القضية نزاعاً إقليمياً بين دولتين، بل تتحول إلى سؤال أكبر:
هل يحق لأي طرف أن يحتجز ممراً يعبر منه غذاء العالم وطاقته؟ في القانون الدولي لم تُترَك هذه المسألة للسياسة أو المزاج. فوفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تخضع المضائق الدولية لمبدأ واضح لا يحتمل التأويل: حرية المرور للسفن العابرة والطائرات من دون تعطيل.
هذا يعني أن مضيق هرمز، رغم وقوعه بين حدود سيادية، ليس أداة يمكن استخدامها في النزاعات. بل هو ممر دولي محمي قانونياً، لأن تعطيله لا يضر بدولة واحدة، بل بالعالم بأسره. هذا الوضع يدخل في صلب القانون الدولي للبحار والأمن الجماعي. هنا يحق للدول المُتَضَرِرة أن تتحرك قانونياً بمنع تحويل مضيق حيوي إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي تتحمل تكلفته دول لا علاقة لها أصلاً بالحرب الدائرة حالياً. التحرك يحتاج إلى مسار قانوني ودبلوماسي مُتَكامل، وفي ظل إغلاق القنوات الدبلوماسية يبقى المَسار القانوني ضرورة. لماذا إغلاق المضيق غير مشروع؟ لأنه وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLS 1989) الذي ينص أن المضائق الدولية لا يجوز إغلاقها حتى في حالات التوتر السياسي. من حق الدول المُتَضرِرة المُطالبة بالتعويض. وذلك بتوثيق الانتهاكات، وإعداد ملف بالأضرار الناتجة عنها مع كامل تفاصيل الحوادث والتواريخ، بالإضافة إلى تقارير شركات الشحن والتأمين. ووضع كل البيانات بما فيها صور الأقمار الصناعية التي تُظهر حجم الضرر والخسائر والتحرك عبر مجلس الأمن الدولي الذي سبق وأدان الاعتداءات. هذه الإدانة الدولية مهمة لأنها تُستَخدم لاحقاً في المحاكم.
إذا فشلت الدبلوماسية الصامتة التي يعوّل عليها الجميع بالخروج من هذا المأزق، يبقى دور المحاكم ورفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية على أساس: انتهاك قانون البحار، والإضرار بالتجارة الدولية، والتسبب في خسائر اقتصادية لدول لا علاقة لها بالنزاع. من حق هذه الدول أن تطالب بأكثر من وقف الانتهاكات وفتح الممرات، المطالبة بالتعويضات المالية. قد يكون اللجوء إلى (المحكمة الدولية لقانون البحار) أسرع في المنازعات المرتبطة مباشرة بالملاحة البحرية. فهي من ناحية أسرع من محكمة العدل الدولية ومختصة بقانون البحار. إن التحرك بالاتجاه القانوني أقوى في التأثير على الرأي العام العالمي خاصة مع حشد الدعم عبر تحالف دولي من دول مُتَضرِرة في كل من (الخليج، وآسيا وأوروبا).
يحق لهذه الدول إصدار بيانات مشتركة ورفع دعوى جماعية والضغط على المنظمات الدولية. يرى أكثر المراقبين أن التحرك الدبلوماسي يجب أن يواكبه التحرك القانوني ورفع دعاوى التعويض عبر المحاكم الدولية. كما أن هذا التحرك يضع المسؤولية القانونية على الدول المُسَببة للضرر، ما يُضعِف موقفها أمام الإعلام العالمي الذي تعاطف معها في البداية كونها دولة تعرضت للاعتداء، لكنه اليوم لا يرى مبرراً لرد الاعتداء عليها بالاعتداء على دول مُسَالِمة لا علاقة لها بهذا النزاع.
من المهم تسليط الضوء إعلامياً على أثر إغلاق المضيق، على الغذاء والطاقة وتحويل الإغلاق إلى قضية إنسانية عالمية. البلدان المُتَضرِرة لا تريد حروباً، لكن من حقها التحرك كي لا يتحول المضيق إلى ورقة ضغط، وهذا يعني تحويل الغذاء والطاقة إلى سلاح في سابقة خطرة في القانون الدولي.
المعركة ليست فقط على مضيق.. بل على مبدأ: هل يمكن لدولة أن تستخدم شريان العالم كورقة ضغط؟ القانون الدولي وجد ليحمي من لا علاقة لهم بالحروب. من المعروف أن الحروب كلها تنتهي على طاولة مفاوضات. لكن الحق في المطالبة بالتعويضات يمكن أن يبدأ الآن. لماذا؟ لأن الزخم الدولي قائم بعد إدانة مجلس الأمن للهجمات، والأدلة حاضرة وواضحة، ولأن التأخير يُضعِف القضية ويُنسي العالم حجم الضرر. التحرك المُبَكر يضع الدولة التي تُعَطِل المضيق أمام تكلفة قانونية وسياسية حقيقية ويوقف التمادي. نحن أمام دول لم تعتدِ على أحد وتتعرض لخسائر بالمليارات، وهو وضع لا يمكن السكوت عليه طويلاً.. إن التحرك القانوني لا يهدف فقط إلى فتح الممر والتعويض القانوني، بل إلى ردع تكرار الاعتداء، تثبيتاً لمبدأ:
«لا يمكن ضرب اقتصاد دول مُسَالِمة من دون ثمن».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد