لغة التجريح في وطنٍ مجروح تخالف أعراف الوطنية ومفاهيمها. فكم منّا لمس ثقل هذه الحرب في صمتها؛ صمتٌ في طيّاته تأمّلٌ وتأنٍ، وحذرٌ ومحاولة لفهم تعقيدات ما يجري. غير أن هذا الصمت، على ما فيه من عمق، يتحوّل أحيانًا إلى عبءٍ أثقل من ضجيج الكلام، حين يعجز عن رفدنا بالأدوات اللازمة لمواجهة أزمةٍ خارجية تتنامى... وتجد صداها يتفاقم في الداخل.
تتراكم الكلمات، وتعلو الاصوات، لكن المعنى غائب. يتحدثون كثيرا، ويحللون كثيرا، ويجزمون كثيرا... لكنك تشعر ان ما يدار ليس فهما، وإنما انطباعات متعجلة، تبنى عليها مواقف حادة، ثم يدافعون عنها بعناد يشبه العمى.
إنها مفارقة موجعة: خوف مرتفع، وفهم منخفض. حدة في المواقف، وضحالة في التصور. ثقة صلبة، لكنها قائمة على أرض رخوة.
وهنا يتضاعف الايلام... لأنك لا تواجه خطرا خارجيا فحسب، بل تواجه هذا الاضطراب في الداخل؛ هذا العجز عن قراءة ما وراء الاشياء، عن ادراك السياقات، عن التمييز بين ما يقال وما يراد، بين الظاهر والعمق، بين الخبر وتحليله.
مؤلم أن نرى الهلع والخوف قد تجرد من حكمته، لم يعد يدفع إلى التبصر، بل اصبح يبحث عمن يعلق عليه قلقه، يبسّط الأحداث، يقيم عليها احكاماً غير قابلة للنقاش، حادة، لا تتحمل المراجعة. هذا الخوف يتغذى على معلومات مبتورة من سياقها الصحيح، مبتورة من مخطط اكبر، تُتداول الآراء وكأنها واقع، بلا عمق ولا مساءلة، فينشأ الارتباك، ويتبعه القلق.
هنا المفارقة مؤلمة: خوف مرتفع وفهم سطحي، حدة في الموقف وإقصاء عجيب بوجهات النظر، عجز واضح في قراءة سياق الأحداث والعجز في التمييز بين الخبر والجوهر. كل هذا يزيد من الألم ومن ثقله. علينا أن نتواضع أمام الحقيقة، لنستطيع ان نستخدم جميع أدوات الفهم والمعرفة وندرك ان ما نستشعره ليس كل ما في الأمر. وأن ما نفهمه ليس نهاية الفهم.
لكن هذا التواضع غائب، وحين يغيب يحل مكانه يقين قاسٍ، لا يرى إلا نفسه ولا يسمع إلا صوته. قد تكون المشكلة ليست في قلة الكلام، ولكن في قلة المعنى.
وبالرغم من هذا، وذاك، وفي خضم الأصوات العالية، تبقى همسة دائمة في قلبي... كويت: يا شامخة يا أبيّة يا عزيزة يا من احببتي وأكرمتي كل أبنائك، بكل اختلافاتهم، وبكل أطيافهم، فعشقوا كل حبة من ترابك، وكل قطرة في بحرك، دمتِ عزيزة، تصونك الجوارح.
(مشاعر مواطنة رغبت أن تبقى مجهولة الاسم)!
أحمد الصراف

