في لحظات التوتر الإقليميِّ الحادِّ، تميل التحليلات إلى التركيز على موازين القوَّة العسكريَّة، ومسارات التَّصعيد، غير أنَّ ما تشهده المنطقة اليوم يكشف بوضوح أنَّ معادلة القوَّة لم تعد تُقَاس فقط بما تمتلكه الدول من أدوات صلبة، بل أيضًا بقدرتها على إدارة صورتها، والتأثير في الرَّأي العام، وصياغة الرواية التي تشكِّل فهم العالم للأحداث.
لقد دخلت المنطقة مرحلة يمكن وصفها بـ»الحروب المركبة»، حيث تداخلت العمليَّات العسكريَّة مع معارك السرديَّات، وغَدَت الرسائل السياسيَّة والإعلاميَّة جزءًا لا يتجزَّأ من إدارة الصراع.. وفي هذا السياق، تتحوَّل القوَّة النَّاعمة من عنصر مكمل إلى أداة مركزيَّة، خصوصًا في بيئة دوليَّة تتشكل مواقفها بقدر كبير من الانطباعات؛ بقدر ما تقوم على الوقائع.
بالنسبة لدول الخليج، تمثِّل هذه اللَّحظة اختبارًا استثنائيًّا، فهي من جهة تقع في قلب التوترات الجيوسياسيَّة، ومن جهةٍ أُخْرى تمتلك رصيدًا متناميًا من القوَّة النَّاعمة بفضل ما راكمته من حضور اقتصاديٍّ، وانفتاح ثقافيٍّ، وأدوار سياسيَّة متَّزنة وحكيمة، وهو رصيد لا ينبغي التراجع عنه تحت ضغط الأزمات كما يردد البعض، بل ينبغي إعادة معايرته بما يتناسب مع طبيعة المرحلة.
وهنا يبرز السؤال: هل على دول الخليج إعادة ترتيب أولويات دبلوماسيتها العامَّة، خصوصًا في مجالات مثل السِّياحة والثَّقافة والإعلام والرِّياضة، وغيرها؟ الإجابة الأكثر واقعيَّة لا تكمن في الاستبدال، بل في إعادة التوازن، فالتوترات لا تُلغي أهميَّة هذه الأدوات، بل تعيد تعريف وظيفتها. ففي أوقات الاستقرار، تُستخدم السياحة والترفيه مثلًا كأدوات جذب، أمَّا في أوقات الأزمات، فإنَّها تتحوَّل إلى رسائل طمأنة تعكس قدرة الدولة على إدارة المخاطر والحفاظ على استقرارها وانفتاحها في بيئة مضطربة.. ومن هنا، فإنَّ استمرار هذه الأنشطة يمثل بحد ذاته رسالة ثقة، لا مجرد نشاط اقتصادي.
غير أنَّ المرحلة الحاليَّة تتطلَّب ما هو أبعد من الخطاب الترويجيِّ التقليديِّ، فالمعركة اليوم ليست فقط على النفوذ، بل على تفسير الأحداث وتحديد معناها. وهذا يفرض تعزيز ما يمكن تسميته بـ»الدبلوماسيَّة التفسيريَّة»، أي القدرة على شرح السياسات وتقديمها بلغة مفهومة ومقنعة للمجتمع الدوليِّ. وفي هذا الإطار، تصبح أدوات الدبلوماسيَّة العامَّة -من إعلام خارجي، ومراكز فكر، ومنصَّات نخب- مكوِّنات أساسيَّة في صناعة التأثير، لا مجرد أدوات مساندة.
لكن التحدِّي الأبرز لا يكمن في مجرَّد امتلاك تلك الأدوات، بل في تناغمها، حيث تُظهر التجربة الراهنة تباينًا واضحًا في السرديَّة الإعلاميَّة الخليجيَّة، بشكلٍ يحدُّ من قدرتها على التأثير والإقناع، وهو ما يؤكد ضرورة الانتقال إلى مستوى أعمق من التنسيق والتكامل، تعمل فيه أدوات القوَّة النَّاعمة ضمن إطار إستراتيجيٍّ موحَّد؛ يعكس المصالح المشتركة لدول المجلس.
لا شك أنَّ مرحلة ما بعد الأزمة ستكون مفصليَّة وفارقة، فمثل هذه الأزمات تترك أثرًا طويل المدى في السمعة الدوليَّة، وتعيد التذكير بأن أمن دول الخليج واستقرارها لم يعد قابلًا للتجزئة، بل يقوم على وحدة مصير تفرضها طبيعة التحدِّيات.. ومن هنا، فإنَّ المسؤولية الملقاة على عاتق مجلس التعاون ستكون مضاعفة، ليس فقط في تقييم التجربة، بل في البناء عليها. ويقتضي ذلك مراجعة شاملة لأدوات الدبلوماسيَّة العامَّة الخليجيَّة، تتضمَّن الإعلام والثَّقافة والتَّعليم والسِّياحة والدبلوماسيَّة الرقميَّة، بحيث يُعاد تنظيمها ضمن رُؤية موحَّدة قادرة على مخاطبة العالم بصوت متَّسق. وهنا تبرز الحاجة إلى خطوة مؤسسيَّة نوعيَّة، تتمثَّل في إنشاء وحدة رفيعة المستوى -داخل المجلس- مختصة بالدبلوماسية العامة، تتولى صياغة وتنفيذ إستراتيجية موحدة تعزز من الحضور الدولي لدول المجلس، وتضمن اتساق رسائلها في مختلف الساحات، وليس الإعلام وحده.
ولعل من المفيد هنا النظر إلى بعض التجارب الدولية التي نجحت في تحويل تنوُّعها إلى قوة مؤسسيَّة موحَّدة، ففي الاتحاد الأوروبي يضطلع European External Action Service بدور محوريٍّ في تنسيق العمل الخارجيِّ، بما في ذلك أدوات الدبلوماسيَّة العامَّة والاتصال الإستراتيجيِّ، حيث يعمل كدائرة مركزيَّة تُنظّم الرسائل السياسيَّة والإعلاميَّة والثقافيَّة للدول الأعضاء، دون إلغاء لخصوصيات الدول، بل توحيد اتجاهها العام وتعظيم أثرها الجماعيِّ، وهو ما يمنح الاتحاد قدرة أعلى على التأثير في الرأي العام الدوليِّ وصياغة السرديَّات المرتبطة بقضاياه.
ما بعد الأزمة.. تحولات حتمية للدبلوماسية العامة الخليجية
مواضيع ذات صلة

