: آخر تحديث

كيف تبيع عقلك بالتقسيط المريح؟!

4
4
4

محمد ناصر العطوان

دعنا نتحدث بصراحة يا صديقي القارئ... منذ أن كنتُ طفلاً صغيراً، كان عقلي يصاب بـ «ماس كهربائي» وأنا أراقب كيف تتورط أسماء رنانة من بعض نخبنا الثقافية العربية في التصفيق بحرارة لغزو الكويت. كنت أظنها وقتذاك «زلة» تاريخية عابرة، لكنني كبرت، وتجددت دهشتي الممزوجة بالمرارة وقد رأيت الوجوه ذاتها وأبناء عمومتهم يبررون سحق عظام السوريين تحت دبابات بشار. واليوم، أقف مذهولاً أضرب كفاً بكف، أمام طابور هؤلاء المثقفين الذين ينساقون كالمنومين مغناطيسياً خلف السردية الإيرانية ضد دول الخليج.

لذا، قررت أن أضع بين يديك هذه السلسلة المكونة من أربعة مقالات، لنمسك بمشرط الجراح ونفكك هذا «العطب البنيوي» المزمن في العقل النخبوي العربي.

ولنبدأ بمقالنا الأول للبحث عن إجابة لسؤال المليون دولار: كيف ينخدع بعض المثقفين العرب للمرة والواحدة بعد الألف؟ وكيف يتحول صاحب العقل النقدي إلى «بوق تبريري» يسبّح بحمد الأنظمة الاستبدادية والدموية؟ الأمر يا سادة، ليس مجرد خطأٍ بسيطٍ في التقدير السياسي، بل هي «صنعة» متكاملة الأركان، تتطلب الغوص في علم الاجتماع المعرفي وعلم النفس. فإذا أردنا التأصيل الفلسفي لهذه الكارثة، علينا العودة إلى عام 1927، حين جلس الفيلسوف الفرنسي جوليان بندا، يراقب صعود الفاشيات في أوروبا، وأصدر كتابه الصادم «خيانة المثقفين». لقد لاحظ الرجل تحولاً يثير الغثيان؛ فالمثقفون (أو الكَتَبَة كما أسماهم)، الذين كانت وظيفتهم التاريخية هي حراسة الحقيقة الكونية والعدالة المطلقة، أخذوا استقلاليتهم ونزاهتهم ورموا بها في أقرب سلة مهملات طواعية!

انخرط هؤلاء في الغرام بالمشاعر القومية والعصبيات الأيديولوجية، وتحولوا إلى «مهندسين» محترفين لتنظيم الكراهية السياسية. بالله عليك، ألا ينطبق هذا التوصيف بالمسطرة والقلم على شريحة واسعة من محللينا وكتابنا في عالمنا العربي؟! ألم يبيعوا عقولهم لسرديات بعض الأنظمة مقابل وهم الانتماء لمشاريع «أممية» لم نرَ منها طوال سبعين عاماً سوى الخراب والركام؟! هنا قد تسألني براءة: «وكيف يستطيع هذا المثقف أن يضع رأسه على الوسادة وينام قرير العين، بعد أن يبرر إبادة مدن بأكملها؟».

هل يتعاطى المهدئات؟ لا يا عزيزي، بل يتعاطى ما أسماه عالم النفس ألبرت باندورا، بـ«فك الارتباط الأخلاقي». فالبشر بطبيعتهم يمتلكون جهاز إنذار داخلي يمنعهم من تبرير الوحشية، لكن نخبنا المبجلة اكتشفت «زر الكتم» لإسكات هذا الضمير، عبر حيل نفسية تجعلهم يبررون أفظع الجرائم دون أن يرف لهم جفن.

تعال كي نرى كيف تعمل آليات «باندورا» بكفاءة منقطعة النظير في خطابنا النخبوي:

الآلية الأولى (التبرير الأخلاقي): لا يجوز أن نسمي إبادة شعب أو غزو دولة جريمة، هذا يخدش الحياء الأيديولوجي! بل نعيد صياغتها لتصبح «عملاً بطولياً ضرورياً» يخدم غاية مقدسة ومطلقة كـ «تحرير فلسطين» أو «مواجهة الإمبريالية». وباسم هذه الغاية الكبرى، يصبح هدم البيوت على رؤوس ساكنيها عملاً مقدساً يُثاب فاعله!

الآلية الثانية (مستحضرات التجميل اللغوية): بدلاً من استخدام كلمات فجة مثل «احتلال» أو «مجازر»، يستل هذا المثقف معجمه المضلل ويطلق عليها «إسقاط المؤامرة» أو «دعم محور الممانعة». إنها باختصار شديد عملية «غسيل» لغوي للجريمة... ودعني أؤكد لك أن غسل الجرائم أوسخ بكثير من غسل الأموال!

أما الآلية الثالثة (وهي درة التاج): تجريد الضحية من إنسانيتها. لكي ينام ذلك المثقف مرتاحاً وهو يرى الملايين يُسحقون، يجب أن ينزع عنهم صفتهم البشرية أولاً. هؤلاء ليسوا بشراً لهم أحلام وعائلات، بل هم مجرد «خونة»، «عملاء»، «متآمرون»، أو -لإضافة لمسة أكاديمية- «جماعات وظيفية لخدمة الصهاينة». بمجرد أن يكتمل هذا التجريد، لا يعود مثقفنا يرى دماءً أو أشلاءً متناثرة، بل يرى مجرد «عقبات» صغيرة يتم تنظيفها من طريق مشروعه الأيديولوجي العظيم!

هذه التركيبة السيكولوجية المعقدة، الممزوجة بشعور عميق بالعجز والدونية الحضارية، تجعل بعض محللينا يصابون بما يمكن تسميته «متلازمة استوكهولم السياسية». إنهم يقعون في غرام المعتدي المستبد، ويتبنون لغته وحججه، ظناً منهم أن حذاءه الغليظ هو القوة الوحيدة القادرة على كسر الهيمنة الغربية.

هذا الانخداع الأيديولوجي يفرغ العقل من وظيفته، ويحول هذا المثقف إلى محامٍ «شاطر» في محاكم الاستبداد، يقف بكامل أناقته ليبيع كل مبادئه الإنسانية بنظام «التقسيط المريح»، طالما أن الشيك في النهاية مسحوب باسم «القضايا الكبرى».

ولكن... ما يغيب عن عقل هذه النخب وسط زحام تبريراتهم، هو أن كل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد