خالد بن حمد المالك
لم يتحدث السفير الأمريكي في إسرائيل (مايك هاكابي) من فراغ، ولم يكن كلامه عن خريطة لإسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات، بل قوله بأن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله سيكون أمراً مقبولاً، فهو يترجم بذلك نوايا إسرائيل وأهدافها التوسعية، وتعضيد أمريكا لها في هذه السياسة، وإلا لكان الموقف الأمريكي قد سارع إلى شجب هذا التصريح الوقح الذي عبَّر فيه باستهتار عن أطماع قادمة لدى إسرائيل، وقال ما لم يقل به حتى القادة الإسرائيليون، وإعلامهم العنصري المسيَّس.
* *
وبناءً على تفسيرات توراتية بحسب زعمه، وجنوحه إلى اللامعقول من الأفكار المتطرفة، أراد السفير الأمريكي لدى إسرائيل تصعيد الصراع في المنطقة بأكثر مما هو عليه، وخلط الأوراق بطريقة يصرف بها نظر العالم عن الحراك الإسرائيلي العدواني لضم الضفة الغربية إلى الكيان الإسرائيلي، بتصرّف غير مسؤول، وهو لا يجهل أن تصريحاته تُعد خرقاً للقوانين الدولية، وميثاق الأمم المتحدة، والأعراف الدبلوماسية، وأنها سابقة خطيرة، إذ تصدر عن مسؤول أمريكي، متجاهلاً أنها تعد استهتاراً بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة مع أمريكا.
* *
ولا يمكن وصف تصريحات السفير الأمريكي بأقل من أنها تصريحات موغلة بالتطرف، وأنها تقود إلى عواقب وخيمة، وتهدِّد الأمن والسلم العالمي، باستعدائه لدول المنطقة وشعوبها، وتهميش أسس النظام الدولي الذي توافقت عليه دول العالم، لوضع حد للحروب الدامية التي أودت بحياة الملايين من البشر في الماضي، وما أرساه النظام الدولي من احترام لحدود الدول الجغرافية، وسيادة الدول على أراضيها، ما يجعل هناك ضرورة يتعيَّن على وزارة الخارجية الأمريكية إيضاح موقفها من هذا الطرح المرفوض من جميع دول العالم المحبة للسلام، وهو ما أوضحته المملكة في بيان لها صدر من وزارة الخارجية.
* *
إن خبث تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل ينطوي على محاولات لإغراق المنطقة بصراعات جديدة، بدلاً من حل الصراعات القائمة، بإيجاد حل للقضية الفلسطينية العادلة، يقوم على خيار الدولتين، بإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما يلزم الولايات المتحدة بطمأنة دول وشعوب المنطقة بأن تصريحات السفير الفجَّة لا تنسجم مع السياسة الأمريكية، ولا تؤيِّدها، وإن لم تفعل ذلك فإن على الدول العربية والإسلامية التعامل مع هذا التطور بشأن أسس العلاقات الدولية، واحترام حدود الدول، بما لا يجعل مثل هذه التصريحات غير المسؤولة تمر وكأن شيئاً لم يكن.
* *
لقد طفح الكيل بمثل هذه التصريحات العدائية، ولم يعد تجاهلها، وغض الطرف عنها، يخدم الأمن والاستقرار بالمنطقة، ولهذا جاءت ردود الفعل من المملكة والجامعة العربية ودول مجلس التعاون وكثير من المؤسسات والدول العربية والإسلامية شاجبة، وبأشد العبارات، ورافضة ومنكرة هذه التصريحات لسفير أمريكا في إسرائيل، باعتبارها تهدِّد دول المنطقة، وتحرِّض إسرائيل على مزيد من الاعتداءات، تقوم بها ضد دول وشعوب المنطقة.
* *
على أن تحقيق ما يطالب به السفير الأمريكي ليس بالأمر الهيِّن السهل، فبين هذه الحقوق والدفاع عنها رجال يحمونها، بمهجهم وأرواحهم ودمائهم، وما غلا من نفيس يملكونه، لا كما يتصور السفير، وكأن الطريق مشرع وممهد لاحتلال إسرائيل لدول ومناطق عربية واسعة وضمها إلى كيانها، وعليه أن يكف عن الإدلاء بمثل هذه التصريحات التي نتمنى أنها لا تمثِّل الموقف الأمريكي، بقدر ما تمثِّل السفير المعروف بكراهيته لدول المنطقة، ودعمه السافر للسياسة الإسرائيلية بلا حدود.

