في عالمٍ متسارع يشهد تحولات غير مسبوقة في مجالات الدفاع والتقنيات العسكرية الحديثة المتقدمة، مدفوعًا بالتغيرات الجيوسياسية والتحديات الأمنية المتزايدة والأطماع التوسعية، برزت أهمية امتلاك الدول لمنظومات عسكرية ودفاعية قوية ومتماسكة، قادرة على حماية حدودها وصون سيادتها، ومنع أي شكل من أشكال الاعتداء أو التجاوز.
وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية لا تنتهج سياسات عدائية ضد أي دولة، كما أنها لا تسعى إلى أطماع توسعية، فإنها تولي اهتمامًا كبيرًا بتعزيز قدراتها الدفاعية، انطلاقًا من مسؤوليتها في حماية أمنها الوطني والحفاظ على استقرار المنطقة، تحسّبًا لأي جهة قد تسوّل لها نفسها الاعتداء على حدودها أو المساس بأمنها وبسيادتها.
وفي هذا السياق، حرصت المملكة على بناء منظومة دفاعية متكاملة وقوية، من خلال تطوير جيشٍ حديث يشمل مختلف فروع الدفاع وأنظمته المتنوعة البرية والجوية والبحرية، إلى جانب منظومات دفاعية متقدمة أخرى ذات صلة، بما يعزز جاهزيتها لمواجهة التحديات الأمنية المختلفة.
وانطلاقًا من مستهدفات رؤية المملكة 2030، لم يعد تطوير القطاع العسكري مقتصرًا على تعزيز القدرات الدفاعية فحسب، بل أصبح ركيزة أساسية للتنويع الاقتصادي وبناء صناعة وطنية مستدامة، إذ إن توطين الصناعات العسكرية يسهم في تقليل الاعتماد على الخارج، ويدعم نمو قطاعات صناعية وتقنية مساندة، مثل الاتصالات وتقنية المعلومات والمعدات الصناعية، بما يعزز الاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل نوعية للكفاءات الوطنية.
ورغم أن المملكة كانت من أكبر الدول إنفاقًا عسكريًا على مستوى العالم، حيث احتلت المركز الثالث عالميًا في عام 2015، فإن نسبة محدودة جدًا من هذا الإنفاق كانت تُنتج محليًا، إذ لم تتجاوز 2 %، فيما كان قطاع الصناعات العسكرية المحلية يقتصر آنذاك على سبع شركات ومركزي أبحاث فقط.
وقد شكّل هذا الواقع دافعًا مهمًا لإعادة تنظيم قطاع الصناعات الدفاعية وتطويره، فتم في عام 2017 إنشاء الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) لتكون الجهة التنظيمية والتشريعية المشرفة على تنمية هذا القطاع وتمكينه، ووضع الاستراتيجيات الكفيلة بتوطينه وتعزيز كفاءته.
ومن خلال هذه الخطوة المؤسسية، تبنّت المملكة هدف توطين أكثر من 50 % من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030، عبر تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، وتعزيز الشراكات الدولية، ونقل المعرفة والتقنية، إلى جانب إنشاء مجمعات صناعية متخصصة تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرة على التصدير.
وقد أثمرت الجهود التي قادتها المملكة منذ إنشاء الهيئة العامة للصناعات العسكرية عن تحقيق تقدم ملحوظ في مسار توطين القطاع الدفاعي؛ إذ قفزت نسبة توطين الإنفاق العسكري لتصل إلى ما يقارب 25 % بحلول عام 2024، فيما بلغت نسبة المحتوى المحلي في القطاع العسكري نحو 40.7 %، كما وأسهم توطين الإنفاق العسكري بأكثر من 6.665 مليارات ريال في الناتج المحلي غير النفطي، في مؤشر واضح على دور القطاع في دعم التنويع الاقتصادي. وعلى صعيد تنمية الكوادر الوطنية، فقد بلغ عدد العاملين في القطاع 34000 موظف، وارتفعت نسبة السعودة في القطاع إلى نحو 63 %، مما يعكس نجاح الجهود المبذولة في بناء قدرات وطنية مؤهلة تقود مستقبل الصناعات الدفاعية في المملكة.
وجاء معرض الدفاع الدولي 2026 الذي نظمته الهيئة العامة للصناعات العسكرية مع شركاء النجاح خلال الفترة ليعيد تشكيل مفهوم ومستقبل الأمن والدفاع، بوصفه منصة عالمية تجمع صُنّاع القرار والخبراء والشركات الرائدة لعرض أحدث الابتكارات والحلول التقنية.
ويُعد المعرض أحد أبرز هذه الفعاليات، حيث لا يقتصر دوره على استعراض المعدات العسكرية المتطورة فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز الشراكات الاستراتيجية، وتبادل الخبرات، ودعم الصناعات الدفاعية الوطنية ضمن رؤية تستهدف بناء منظومات أمنية أكثر كفاءة واستدامة.
كما ويُعد المعرض منصة فريدة ومميزة لقطاع صناعة الدفاع والأمن العالمي، حيث يتيح المعرض الفرصة أمام جمهور هذه الصناعة لبناء العلاقات، وعقد الشراكات، وتبادل المعرفة، واستكشاف أحدث الابتكارات والقدرات عبر جميع المجالات الدفاعية الخمسة: الجو، والبر، والبحر، والأمن، والفضاء.
ويتماشى معرض الدفاع العالمي 2026 مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 من خلال المساهمة في توطين ما يزيد على 50 % من الإنفاق العسكري على الخدمات والمعدات العسكرية، إلى جانب تعزيز التنوع والابتكار، وتوسيع الاستثمار والشراكات الدولية، عبر جمع أصحاب المصلحة الرئيسيين في قطاع صناعة الدفاع والأمن عالمياً.
وقد حظي المعرض في نسخته الثالثة بحضورٍ لافت عكس تنامي مكانته على خارطة المعارض الدفاعية العالمية، حيث شهد مشاركة 1486 جهة عارضة على مساحة تجاوزت 272 ألف متر مربع، مقارنة بـ773 جهة عارضة على مساحة 100 ألف متر مربع في النسخة الثانية. كما وبلغت قيمة عقود الشراء المبرمة نحو 33 مليار ريال، مقابل 26 مليار ريال في النسخة السابقة، في مؤشر واضح على تصاعد الثقة الدولية بالقطاع الدفاعي في المملكة. وارتفع عدد الوفود الرسمية المشاركة إلى 513 وفدًا يمثلون 121 دولة، مقارنة بـ441 وفدًا من 116 دولة سابقًا، فيما وصل عدد الزوار إلى نحو 137 ألف زائر مقابل 106 آلاف زائر في النسخة الماضية، ما يعكس النمو المتسارع الذي يشهده المعرض عامًا بعد عام.

