تحققت رغبته، مع قبول الكنيسة اليسوعية في هولندا أن يصبح جزءاً من إرسالياتها، وتم الاتفاق على أن يرحل إلى لبنان، وكان ذلك في سبعينيات القرن الماضي. بعد قضاء بضعة بضعة أشهر بين مدن وقرى الساحل، تبيّن له أنه أخطأ المكان، فلا شيء في المنطقة يستحق البذل، فأغلبية أهاليها لم يكونوا بحاجة، لا مادياً ولا معنوياً، لراعي أبرشية هولندي. لذا قرر البحث عن مناطق نائية كانت تاريخياً مهملة من الدولة، وتشكو من الحرمان، وحتى من التجاهل الكنسي، لعدم رغبة أي من القسس أو الخوارنة الخدمة فيها لبعدها، وفقرها، أو السكن في كنائسها المتهالكة، تحت درجات حرارة دون الصفر لأشهر طوال، بخلاف صعوبة الوصول إليها، لوعورة طرقاتها. بالسؤال نصحه البعض بالذهاب إلى قرية «برقا»، التي ربما كان وراء تأسيسها عام 1840، صاحبنا سمعان جعجع، موضوع مقال الأمس، وأول موارنة تلك المنطقة. وجد نقولا في «برقا» ما كان يبحث عنه، فالقرية بحاجة تقريبا لكل شيء. قبل التحدي، وقبل أن يكون راعي كنيستها، بنى لنفسه غرفة، وبدأ بتعلّم العربية، ونجح في وقت قياسي في جمع الأموال من جهات عدة، وكانت البداية مع المدارس، التي كانت المنطقة في حاجة لها. وأخذ يحفر في الصخر، ويجمع الأموال من اية جهة كانت، ونجح خلال وقت قصير في رفع مستوى المنطقة، وخلق فيها حرفاً وصناعات شجعت أهلها على البقاء فيها ورفض الهجرة منها.
بعد نجاحه في تحقيق أمور شبه مستحيلة للقرية، قرر الرحيل منها للقيام بعمله التطوعي في السودان، حيث الحاجة أكبر لخدماته، بالرغم من علمه بسوء أوضاعها وحروبها الأهلية، وغيرها من المصاعب، صُدم الأهالي عندما علموا بقراره الرحيل، وتمنوا عليه البقاء، فقد حقق لهم ما عجزت قوى كثيرة، بما فيها الدولة، عن تحقيقه، بعد الكثير من الرجاء قبل تمديد مكوثه. بعد فترة قصيرة من قراره البقاء، وفي أوج الحرب الأهلية اللبنانية، قامت جماعة مسلحة شيعية، خارجة عن القانون، باختطافه وتعذيبه وقتله، ورمي جثته في شق جبلي عميق، وكان ذلك في مايو 1985.
* * *
عدت قبل فترة قصيرة من زيارة لـ«برقا»، وجلست في الحجرة الشديدة التواضع، التي عاش فيها الراهب نقولا خلال إقامته، والتي بناها بنفسه، لم تزد مساحتها على 10 أمتار مربعة، بسقف منخفض يمكن لمسه، وخزانة حديدية صغيرة متهالكة، عُلقت جاكيتات قديمة على جانب منها، وملابس أخرى في جانبها الآخر، إضافة لزوجين من الاحذية، وسجادة أرض مهترئة، وصور قديسين، ونماذج من كتاباته، بالعربية، ومكتبة بسيطة، ونسخة عربية من الإنجيل، وبعض من رسوماته البسيطة داخل إطارات خشبية رخيصةً، وكانت تلك كل ممتلكاته، في الحياة، لا سيارة ولا بيت ولا عنوان، ولا شيء آخر.
لخدماته الجليلة لأهالي المنطقة، ودوره الكنسي الحيوي، الذي رفض غيره القيام به، وتضحياته، وجد الفاتيكان في سيرته وتضحيته ما يستحق النظر في تطويبه قديسا، بسبب نكرانه لذاته، ونهايته المأساوية، وما مثله من صورة «الرهبان الشهداء»، الذين قُتلوا أثناء خدمتهم، وربما سيرفع لدرجة القديسين، عندما تحين فرصة زيارتنا الثانية لـ«برقا»، فهي بانتظارنا.
استدراك: 100% من سكان مدينة برقا من الموارنة، 85% منهم من آل أو عشيرة «جعجع»، الذين تعود أصولهم لـ«بشرّي»!
أحمد الصراف

