أحاول جاهداً الوصول إلى إجابات، لأنَّ بعض مقالات الرأي تخاطب كاتبها بقدر ما تخاطب القراء! لكن دعوني أقدم تصوراً مبدئياً عمّا قد تعنيه الجدية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي من ناحية أحد التيارات السياسية: اليسار السياسي.
في الوقت الحاضر، إن جاز لي التعميم، يبدو الخطاب اليساري المتعلق بالذكاء الاصطناعي كأنه مجموعة من الإيماءات الذهنية الساخطة المفتقرة إلى موضوع موحد. في هذا الخطاب، هناك نزعة بيئية قوية، تركّز على استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي للمياه والطاقة. وفي الوقت نفسه، ثمة نزعة تقدمية تجاه الاستهانة بقدرات الذكاء الاصطناعي، تنفصل أكثر فأكثر عن الواقع المتسارع للتكنولوجيا، وغالباً ما تترافق مع تحذيرات من أن هذه التقنيات، رغم كونها عديمة الجدوى، ستُستغل من قبل الفاشيين والعنصريين وأصحاب الثروات الكبرى لقمع العالم. كما يطلق تيار اليسار السياسي إشارات إلى بدائل إنسانية أو اشتراكية أو مهتمة بعنصر الأمان إزاء الذكاء الاصطناعي، لكنها تبقى إلى حد كبير، إشارات رمزية تفتقر إلى أجندة حقيقية.
بوجه عام، تحتاج أي سياسة إلى تحدٍّ موضوعي كي تتبلور وتتضح معالمها، ولا أتوقع أن تظهر نسخة متكاملة من «اليسارية في عصر الذكاء الاصطناعي»، قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد بشكل أكثر جذرية مما فعل حتى الآن. ومع ذلك، تتضاءل احتمالية حدوث ذلك مع كل إصدار جديد من «كلود» و«تشات جي بي تي». ومثلما أوضح فريدي ديبور، في رده على مقالي السابق، فإن التغيير الحقيقي عندما يأتي لن يحتاج إلى مروجين له، أو من يصرخون «انتبهوا!»، وإنما قد يأتي بوصفه سيلاً جارفاً، لا موجة بطيئة. وعليه، تقتضي الحكمة أن يبدأ الجميع بالتفكير في الأمر من الآن.
إذن، ما الذي ينبغي لليسار أن يفكر فيه؟ أولاً، في مسألة العمل الكريم مقابل الرفاه المدعوم - وأيهما يمثل الغاية العليا للسياسات اليسارية. إذا نجح الذكاء الاصطناعي في زيادة الثروة وإحداث تغيير في طبيعة التوظيف - أمر يبدو محتوماً إلى حد ما - فستتاح لليسار فرصة جديدة لتنظيم صفوفه، دفاعاً عن العمال. ومع ذلك، يبقى السؤال: ما المطلب الأساسي من وراء مثل هذا التنظيم؟ هل سياسة تسعى للحفاظ على الوظائف البشرية، حتى في ظروف غير فاعلة اقتصادياً، من أجل الكرامة الشخصية، أو الحفاظ على القوة الاجتماعية الاقتصادية للبشر، أو كأنه وسيلة احترازية ضد ذكاء اصطناعي متمرد؟ أم سياسة تتعامل مع النمو والثروة في عصر الذكاء الاصطناعي باعتبارهما موردين يخضعان للضريبة، وتذكرة خروج محتملة من عبودية الأجور نحو آفاق الدخل الشامل؟
على ما يبدو، فإن مسار الحفاظ على الوظائف يبدو أقرب إلى ردة الفعل الطبيعية للبيروقراطية اليسارية الحالية، التي من المرجح أن تسعى لحماية الوظائف النقابية في القطاع العام، في مواجهة منافسة الذكاء الاصطناعي، بالطريقة نفسها التي تحاول بها الولايات والمدن الليبرالية حالياً تنظيم مراكز البيانات والسيارات ذاتية القيادة، أو حتى منعها. هذا التوجه قد يميل نحو الحماية الفجة، لكن يبقى من الممكن ظهور نسخة منه أكثر نبلاً وذكاءً، تؤكد أهمية السيطرة البشرية على أنظمة الذكاء الاصطناعي. الاحتمال الآخر: ظهور نزعة يسارية متسارعة تسعى إلى تحقيق مصلحة عامة من وراء خلق الثروة في هذا العصر، بحيث يوفر الذكاء الاصطناعي عائداً يُحقق رؤى الرفاه. في اعتقادي أن التوجه اليساري السائد حالياً يميل نحو انتزاع هذه المصلحة العامة من أصحاب المليارات عبر تنظيمات اشتراكية جديدة وسياسات وحشية. وفي الوقت الراهن، يبدو أن بعض أعضاء النخبة داخل «وادي السيليكون» مُتحمّسين لعقد هذه الصفقة، بوصف ذلك وسيلة للحفاظ على السلم الاجتماعي اللازم لاستمرار عملهم. واليوم، ينبغي لليسار التفكير؛ ليس فقط فيما إذا كان يُريد إقرار دخل أساسي شامل، بل كذلك في الشروط التي قد تكون مقبولة، وما قد يعنيه هذا الأمر فيما يتعلق بالسياسات الطبقية وسلطة النخبة على المدى البعيد. أعلم أنها أسئلة بسيطة، لكن الذكاء الاصطناعي قد يُجبر اليسار على مواجهة سؤالٍ أكبر: هل ينبغي للسياسات اليسارية الدفاع عن تفرد الجنس البشري؟ اللافت أنه في الآونة الأخيرة، برز ميلٌ داخل اليسار للإجابة عن هذا التساؤل بالنفي، لأسبابٍ عديدة: فهناك النزعة ما بعد الحداثية التي تفكك مفهوم «الإنسان» بدعوى التحرر الفردي من كل القيود، والنزعة البيئية التي تنظر إلى البشر بوصفهم سرطاناً خبيثاً يُهدد انسجام الطبيعة، والنزعة الاختزالية المادية التي تُنكر وجود الروح، علاوة على النزعة الحتمية التاريخية التي تُنكر وجود الإرادة الحرة.
ومع ذلك، قد يجبر عصر الذكاء الاصطناعي هذه النزعات على مواجهة تداعياتها النهائية؛ فإذا لم تكن هناك فئة موحدة للبشر، ولا ذاتٌ غير مادية تحت جلودنا، فبأي منطقٍ نفضل الفاعلية البشرية على كفاءة الآلة؟ من جهتي، أتمنى يساراً يؤمن بأن الذات البشرية تتجاوز كونها مجرد أنظمة من الدوائر العصبية تستجيب للمؤثرات، وأن فننا وإبداعنا يحملان قيمة أكبر من مجرد محاكاة مولدة آلياً، وأننا يجب أن نفضل مستقبلاً يبقى فيه الجنس البشري هو المسيطر.
ورغم ذلك، ربما يكون هناك ضغط قوي للتحرك في الاتجاه المعاكس، أي الاستسلام، تحت وطأة دعاوى الاستقلالية والمساواة ومناهضة التمييز بين الأنواع، أمام مستقبل يُعامل فيه البشر والروبوتات على قدم المساواة.
* خدمة «نيويورك تايمز»

