: آخر تحديث

السعودية تبني.. وآخرون يعيشون على أنقاض الدول

2
3
3

المملكة اليوم لا ترفع شعار البناء فقط، بل تمارسه على الأرض. وفي منطقة اعتادت على أخبار الخراب، يصبح البناء بحد ذاته موقفاً سياسياً.. ورسالة تقول: إن المستقبل يمكن أن يُصنع، إذا وُجد من يؤمن به ويستثمر فيه..

في منطقة أنهكتها الصراعات وتنازعها المشاريع المتضادة، تبرز المملكة العربية السعودية اليوم بوصفها دولة اختارت أن تبني لا أن تنافس على الركام، وأن تستثمر في الاستقرار لا في الفوضى. وبينما تنشغل بعض الدول بإعادة إنتاج الأزمات أو استثمارها سياسياً، تمضي السعودية في نهج مختلف: نهج يسند الدول، ويعيد وصل ما انقطع، ويحوّل السياسة إلى أدوات تنمية لا أدوات هدم.

ليست الفكرة جديدة في السياسة السعودية، لكنها اليوم أكثر وضوحاً وجرأة. فالمملكة لم تعد تكتفي بدور الوسيط أو الداعم من بعيد، بل باتت حاضرة على الأرض بمشروعات اقتصادية وتنموية تعيد تشكيل الحياة اليومية في الدول التي عانت من الحرب. وفي هذا السياق، تبدو المبادرات السعودية تجاه سوريا مثالاً مكثفاً على هذا التحول.

حين تعلن شركة طيران سعودية عن تأسيس شركة طيران في سوريا، فإن الأمر يتجاوز مجرد استثمار اقتصادي. الطيران ليس قطاعاً عادياً؛ إنه مؤشر على عودة الحياة الطبيعية، وعلى فتح النوافذ بين الداخل والخارج، وعلى إعادة الثقة في أن البلاد قادرة على استقبال العالم من جديد. الطائرات ليست وسيلة نقل فقط، بل رسالة سياسية واقتصادية تقول إن هناك من يؤمن بأن سوريا تستحق أن تعود إلى شبكة الحركة الدولية.

وفي مشروع تطوير وتشغيل مطار حلب، تتجلى فكرة “البناء” بمعناها الحرفي والرمزي معاً. المطار الذي كان شاهداً على سنوات الحرب يصبح بوابة لإعادة الإعمار. تشغيله وتطويره يعني تحريك الاقتصاد المحلي، خلق فرص العمل، وإعادة وصل المدينة بعمقها الإقليمي. هنا لا نتحدث عن مشروع بنية تحتية فحسب، بل عن إعادة إدخال مدينة كاملة في دورة الحياة.

أما تطوير البنى التحتية للاتصالات، فهو استثمار في المستقبل أكثر منه في الحاضر. فالدول الحديثة لا تُقاس فقط بطرقها وموانئها، بل بقدرتها على التواصل، على إنتاج المعرفة، وعلى الاندماج في الاقتصاد الرقمي. حين تُبنى شبكات الاتصالات، يُبنى معها فضاء جديد للتعليم والعمل وريادة الأعمال. وهذا يعني أن البناء السعودي لا يقتصر على الإسمنت والحديد، بل يمتد إلى الإنسان نفسه.

وفي مشروع تحلية ونقل المياه، يظهر البعد الإنساني بوضوح أكبر. فالمياه ليست خدمة تقنية، بل شرط للحياة والاستقرار. حين تصل المياه إلى المدن والقرى، تتراجع الهجرة، وتعود الزراعة، ويستقر الناس في أرضهم. إنه استثمار في بقاء المجتمع، لا مجرد مشروع خدمي.

هذه المبادرات مجتمعة ترسم ملامح دور سعودي مختلف في المنطقة: دور الدولة التي تسند، لا الدولة التي تستعرض. دولة تدرك أن استقرار جوارها جزء من أمنها، وأن التنمية هي الطريق الأضمن للنفوذ المستدام. فالقوة اليوم لم تعد تقاس فقط بما تملكه الدول من أدوات ضغط، بل بما تقدمه من فرص حياة.

وفي المقابل، لا يزال في المنطقة من يراهن على الفوضى، أو يتعامل مع الدول المنهكة بوصفها ساحات نفوذ لا مجتمعات تحتاج إلى إعادة بناء. هناك من يستثمر في الانقسام، ومن يفضل بقاء الأزمات لأنها تمنحه مساحة تأثير. وبين هذا النهج وذاك، يتضح الفارق بين من يبني دولة، ومن يدير صراعاً.

السعودية، في سياساتها الأخيرة، لا تقدم نفسها بوصفها “منقذاً”، بل شريكاً في إعادة التوازن. وهذا فارق مهم. فالدول لا تُبنى من الخارج، لكنها تحتاج إلى من يمد اليد، إلى من يثق بقدرتها على النهوض، إلى من يضع الموارد في مكانها الصحيح. والمملكة تفعل ذلك عبر الاقتصاد والتنمية، لا عبر الشعارات.

ولعل ما يميز هذه المقاربة أنها طويلة النفس. فالمشروعات التي تتعلق بالطيران والمطارات والاتصالات والمياه ليست قرارات عابرة، بل التزامات تمتد لسنوات. إنها تقول إن البناء عملية مستمرة، وإن الاستقرار لا يُشترى بقرار سياسي سريع، بل يُصنع عبر مشاريع تتراكم وتغيّر حياة الناس تدريجياً.

في النهاية، تبدو المنطقة اليوم أمام خيارين واضحين: إما الاستمرار في دائرة الهدم وإعادة إنتاج الأزمات، أو الانتقال إلى منطق البناء والشراكة. والسعودية، من خلال حضورها في ملفات التنمية وإعادة الإعمار، تحاول أن ترجّح الكفة الثانية.

قد لا تُحدث هذه المشاريع ضجيجاً سياسياً كبيراً، لكنها تترك أثراً عميقاً في حياة المجتمعات. فحين تُفتح المطارات، وتعمل شبكات الاتصالات، وتصل المياه، ويعود الناس إلى أعمالهم، يبدأ الاستقرار الحقيقي. وهذا هو الفارق بين من يصنع العناوين، ومن يصنع الحياة.

المملكة اليوم لا ترفع شعار البناء فقط، بل تمارسه على الأرض. وفي منطقة اعتادت على أخبار الخراب، يصبح البناء بحد ذاته موقفاً سياسياً.. ورسالة تقول: إن المستقبل يمكن أن يُصنع، إذا وُجد من يؤمن به ويستثمر فيه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد