محمد سليمان العنقري
هبط الدولار الامريكي أكثر من عشرة بالمائة خلال عام واحد تقريباً وهو ما أدى لقيام دول عدة لها استثمارات ضخمة بالسندات الأمريكية بزيادة بنوكها المركزية من حيازتها للذهب الذي قفز سعره في بحر عام كامل أكثر من 70 بالمائة ليتجاوز حاجزا تاريخيا غير مسبوق فوق 5000 دولار والتوقعات مازالت تشير لقفزات بسعره بحوالي 20 بالمائة فوق أعلى سعر حققه مؤخراً فزيادة وزن الذهب كملاذ آمن للحفاظ على القوة الشرائية للعملات ووضع حاجز منيع أمام التضخم الزاحف من وراء الدولار الضعيف.
ورغم أن الرئيس ترمب أبدى سعادةً بضعف الدولار، وقال إنه يجب أن يترك ليحدد قيمته إلا أن ذلك لا يتماشى مع سياسة أمريكية تعد ثابتة منذ عقود طويلة، وهي ان عملتهم يجب أن تبقى قوية لأن ذلك يعني مزيدا من الاستثمارات وسهولة بالاقتراض وطرح السندات لتمويل الاقتصاد الاكبر بالعالم لكن سياسة الرسوم الجمركية التي بدات عملياً في ولاية ترمب الاولى ولم يتعامل معها خلفه بايدن بجدية بحيث يعيد الثقة للعلاقة مع الشركاء في الالتزام بالاتفاقيات الموقعة بينهم جعلت الصين ومنذ قرابة عشرة اعوام تبدأ بتخفيف حيازتها من السندات الأمريكية بوتيرة سريعة حيث كانت بقرابة 1،2 تريليون دولار بينما حالياً اقتربت من 750 مليار اي تخارج بقرابة 500 مليار تحول جزء كبير منها لشراء الذهب خصوصاً في اخر 15 شهراً فهو يدعم قوة العملة على مدى طويل ولا تنظر البنوك المركزية لتغير سعره فهي تشتري بأي مستوى لان الفائدة منه تفوق بكثير ارتفاع سعره الذي لايعني شيئاً للدول من حيث المتاجرة به فهو بوصفه ملاذ آمن يمكن ان يشكل داعماً لقوة العملة الوطنية مما يحد من التضخم المستورد وبذلك تتحقق مكاسب غير ملموسة تتمثل بالحفاظ على مستوى الاسعار وقوة دور المستهلك وتكاليف المشاريع وكذلك المعيشة للأسرة
إن ظهور بوادر الهروب من السندات الأمريكية بعد حرب الرسوم التجارية وإضعاف الدولار بقصد المنافسة للبضائع المستوردة شكل تحولاً جذرياً في نظرة القوى الاقتصادية الدولية للعلاقة مع أميركا والدولار، ولذلك ظهرت اتفاقيات تجارية بين الهند ودول الاتحاد الاوروبي، وكذلك بين الصين وكندا وشكلت زيارة رئيس وزراء بريطانيا للصين صدمة للامريكيين لانها كانت للبحث عن فرص شراكة تجارية بين الدولتين، كما أن اوروبا والصين على وفاق ببعض القضايا والملفات التجارية، وقد ينتج عن ذلك تفاهمات أعمق مستقبلاً إضافة لما تقوم به الصين من ترسيخ قوي لعلاقاتها بالشراكات والاستثمارات والتجارة مع الدول النامية والناشئة التي أصبحت مؤثرا كبيرا بنمو الاقتصاد العالمي.
من الواضح ان طوراً جديداً من التحدي والتصدي لسياسة الرسوم الجمركية الامريكية قد بدأ وهو رد فعل كانت تخشى منه أصوات أمريكية متخصصة بالاقتصاد والتجارة من شركات ودور فكر بأن الرسوم ستعالج خللاً في الميزان التحاري وقد تعيد بعض الصناعات لاميركا لكنها ستغير من خارطة علاقات اميركا التجارية الدولية وستتحالف اغلب القوى الاقتصادية الكبرى في العالم ضد اميركا خشيةً من سياساتها التجارية الصدامية مما قد يعزلها تدريجياً عن العالم ولكن بالمقابل ترى الادارة الامريكية أن ما تقوم به ضرورة ولا خيار آخر أمامها بسبب جبل الديون السيادية الذي قارب 38 تريليون دولار وهو احد اهم اسباب ضعف الدولار اضافة للعجز بالميزان التجاري وكذلك الميزانية العامة وازدياد الواردات سنوياً.

