: آخر تحديث

شقة المرسم والمرسى "الحكاية1"

4
4
3

جنوب مبنى الإذاعة والتلفزيون وعلى شارع التلفزيون، تحديداً بحيّ الشميسي العريق بالرياض، كانت هناك عمارة من طابقين، بها شقة كانت تُعرف عند مستأجرها ومرتاديها من أصدقائه باسم «شقة المرسم»، من يأتي إليها يمارس لساعات هوايته ليجد فيها مأوى لإبداعه وملاذاً لطموحه، لم تكن تلك الشقة مقراً رسمياً ولا صالوناً ثقافياً معلناً ولا نادياً فنياً مُسجَّلاً، بل كانت الصدفة التي جمعت نخبة من شباب الإعلام والفن والشعر، كان التقارب الفكري هو من ثبّت هذه الصدفة وربما المصالح المتبادلة وحب المهنة هي التي عززت البقاء، كذلك شغف الأداء والإيمان وبأن العمل الصادق لا يعرف حدوداً، كان أغلبهم في بدايات حياته العملية أعمارهم عشرينية، يحملون ملفات صغيرة وأحلاماً كبيرة، قلةٌ منهم ثلاثينيين سبقوا العشرينيين بسنوات خبرة لم تتسبب في حدوث فجوةً تُذكر بينهم، بل كانت تضيف دفئاً للتجربة، بمعنى آخر لم يكن فارق العمر حاجزاً بل كان جسراً تعبر عليه الخبرة إلى الطموح، والطموح إلى النضج، في تلك الشقة كانت النقاشات تمتد لساعات تتباين وجهات النظر وترتفع الأصوات أحياناً، لكن لم تنكسر المودة يوماً، كانوا يختلفون بحب ويتجادلون بوعي، ويعودون دائماً إلى نقطة مشتركة، إلا وهي كيف نُنجز، كيف نُبدع، وكيف نكون أوفياء لما نحمله من مسؤولية تجاه الفن والإعلام؟ كانت الجلسات أشبه بورش عمل مفتوحة، هذا يقرأ نصاً شعرياً جديداً كتبه، وذاك يعرض فكرة برنامج تلفزيوني وإذاعي، وثالث يقترح معالجة إخراجية لمسلسل مقترح للتلفزيون أو للإذاعة، ورابع يراجع مقالاً أو يُحلّل مشهداً، كل واحد منهم كان مشروع تجربة، وكل تجربة كانت تضيف للآخرين شيئاً، لم يكن بينهم نجمٌ متعالٍ ولا مبتدئٌ مهمَّش، كانوا جميعاً شركاء في القول والعمل، مرت السنوات وكبروا معاً، بعضهم لمع اسمه في الشاشة، وبعضهم رسخ حضوره في المسرح، وآخرون تألقوا في الصحافة أو الإنتاج الإعلامي أو الكتابة والرسم، تخرجوا من شقة المرسم إلى فضاءات أوسع، لكن أثرها بقي فيهم في أسلوبهم وفي جديتهم وفي إخلاصهم للهواية ثم للمهنة، تلك الشقة لم تكن مجرد جدران وسقف، بل كانت مدرسة غير معلنة، علّمتهم أن الموهبة وحدها لا تكفي، إنما الثقافة تُصقل الفن والاعلام، وأن الحوار يصنع الوعي، وأن الصداقة الصادقة تحمي الاختلاف من التحول إلى خصام، هناك بشقة الثمانينات الميلادية تعلّموا أن النجاح ليس سباقًا فرديًا، بل رحلة جماعية يتكئ فيها بعضهم على بعض، اليوم ربما تغيّر المكان، وربما تبدّلت ملامحه، لكن «شقة المرسم» باقية في الذاكرة كمرحلة تأسيس، كفصل أول من حكاية طويلة كتبها أولئك الشباب بعرقهم وسهرهم وأحلامهم، كانت مرسماً ومرسى للقلوب قبل أن تكون للأفكار، ومختبراً للأحلام قبل أن تكون عنواناً في حيّ الشميسي، وهكذا تبقى بعض الأمكنة أكبر من مساحتها، لأنها احتضنت البدايات، وكما هو الحال البدايات دائماً لا تُنسى، ختاماً عزيزي القارئ، قد تسأل من هم هؤلاء المبدعون في شقة المرسم؟ الجواب كما كان يُقال في الصحافة: البقية في العدد المقبل، أو كما يقال في البرامج والمسلسلات: البقية في الحلقة المقبلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد