: آخر تحديث

طيف التوحد.. أولوية التنسيق المؤسسي

3
3
4

انعقدت النسخة الثالثة لـ"ملتقى جمعيات التوحد" في 4 فبراير الجاري، برعاية أمير منطقة المدينة المنورة الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، في توقيت يتسم بأهمية تنظيمية عالية لملف اضطراب "طيف التوحد" في المملكة، حيث صدر قرار مجلس الوزراء السعودي في 20 يناير الماضي، والذي قضى بتشكيل "لجنة وزارية دائمة" تُعنى بتنسيق ومواءمة الجهود والخدمات المقدمة لذوي "طيف التوحد"، وهو قرار يراد منه أن لا يكون الملف ضمن نطاق المبادرات المتفرقة، وإنما ضمن مستوى السياسات العامة بعيدة المدى والعابرة للقطاعات، التي تستظل بمظلة قانونية وعملانية واضحة، يفترض أن تستكمل ملامحها واستراتيجيتها في القريب العاجل!

"الملتقى" الذي عقد في المدينة المنورة، سعى لإبراز قدرات الجمعيات على التفاعل مع المسار المؤسسي الجديد، وهذا ما بدا جلياً في تصريح رئيس مجلس إدارة "جمعية أسر التوحد" الأمير سعود بن عبدالعزيز الفرحان، حين أشار إلى أن "الملتقى يتزامن مع قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة وزارية دائمة تُعنى بتنسيق ومواءمة الجهود والخدمات"، ما يضع العمل الأهلي أمام مسؤولية مضاعفة تتجاوز تنفيذ البرامج، إلى الالتزام بمعايير علمية قابلة للقياس، وقادرة على أن تكون جزءا من استراتجية وطنية أوسع.

مخرجات "الملتقى" أتت لتجسد ذلك من خلال تدشين المرحلة الثانية من "مركز الأمير فيصل بن سلمان للتوحد"، بغية سد الفجوة المتنامية بين أعداد الحالات المشخصة والطاقة الاستيعابية للخدمات، بما يعزز القدرة التشغيلية التي تشمل الكوادر والبرامج والدعم الأسري.

هذا التوجه ينسجم مع ما تؤكد عليه دائماً الدراسات الحديثة، حول أهمية الاستثمار في جودة التدخل المبكر، عِوضَ الاكتفاء بتوسيع نطاق الخدمة شكلياً.

إلى جانب ذلك، جاء إطلاق الذراع الاستثمارية لجمعية "تمكن" تحت مسمى "تمكن كير" كخطوة جادة لمعالجة إشكالية الاستدامة المالية التي تعاني منها كثير من الجمعيات، كون الإنفاق الدائم على البرامج والمشاريع يحتاج إلى مصادر دخل مستمرة، ولذا من الضروري الانتقال إلى الاستثمار النشط، لأن الاعتماد على التبرعات وحدها لم يعد كافياً في ظل تزايد الطلب وتعقد الخدمات المطلوبة.

التجارب العالمية إذا تمعنا فيها، خصوصاً في كندا والمملكة المتحدة، تُظهر أن الجمعيات التي تمتلك أذرعاً استثمارية منضبطة، تحقق استقراراً أكبر، وقدرة أعلى على التخطيط طويل المدى.

من جهة أخرى، التعاون بين الجمعيات شكّل محوراً عملياً في "ملتقى جمعيات التوحد". حيث ركزت مذكرات التفاهم الموقعة على تبادل الخبرات، وتطوير البرامج، وربط التأهيل بالتوظيف.

هذا المسار يستجيب لحقيقة أن تباين الخبرات والقدرات بين المناطق المختلفة لا يمكن معالجته إلا عبر شبكات عمل تشاركية، تنقل المعرفة المؤسسية وتطورها، بدل إعادة إنتاج التجارب من نقطة الصفر!

المجتمع السعودي يواجه اليوم زيادة ملحوظة في تشخيص حالات اضطراب "طيف التوحد" وهو ما يفرض تحديات متصاعدة على الأسر والجمعيات والجهات الحكومية. والتعامل مع هذا الواقع يتطلب ربط الخدمات بالعلوم الحديثة في التشخيص المبكر وتحليل السلوك، واستخدام التقنيات الرقمية الدقيقة في تتبع التقدم وقياس الأثر للبرامج التأهيلية والأكاديمية. والأهم، الاستفادة من أنجح التجارب والمناهج المتقدمة وتوطينها، وتأهيل الكوادر المحلية، وهذه مهمة لا تقع على كاهل "الجمعيات" وحدها، بل تحتاج تعاوناً أوسع من جهات عدة حكومية وأهلية، واستثمارات من قطاع الأعمال.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد