هل من أمر بديهي أكثر من أن يكون للدولة الواحدة سلطة واحدة، وجيش واحد، واستراتيجية واحدة؟ وهل من دولة في العالم المعاصر، أو في أي عالم، لديها سلطتان وجيشان واستراتيجيتان مختلفتان في آنٍ معاً؟... مع ذلك، هذه المسألة الجليّة هي المسألة الكبرى التي لا حلّ لها يُرجى في «بلاد الأرز». يطالعك ليل نهار خِضمٌّ عاصفٌ من الحجج المتضاربة، المشحونة بالحدة والعنف والرفض واستحالة الالتقاء، حول موضوع بديهي، يحتار العقل كيف يمكن أن يتحوّل بسحر ساحر إلى معضلة بالغة التعقيد، شديدة الإثارة، يستحيل حلّها. لكن ما أهمية العقل وما موقعه ودوره في كل ذلك؟
لا يمكن فهم هذه المسألة في ضوء العقل وحده، فهي بهذا المعنى مشكلة جماعية متعددة الأبعاد، متداخلة الطبقات، يختفي فيها مسار المنطق، ليبرز اللاوعي والنزعات الدفينة والهواجس والمخاوف الأكثر عمقاً التي في ضوئها وحدها يمكن النظر إلى ما يجري. وما يزيد الأمر صعوبة أنه ليس هو اللاوعي الفردي، ولا هي نزعات الأفراد، بل هو لا وعي الجماعات ونزعاتها وهواجسها الدفينة، خصوصاً الجماعة المسلّحة التي تتمحور حولها المسألة. فالمجتمع اللبناني، مثله مثل سائر مجتمعات المشرق، ما زال مجتمع جماعات، لم يتحوّل إلى مجتمع أفراد-مواطنين. والأصوات الرافضة المالئة الفضاء الإعلامي، لا يمكن لها أن تصغي بعضها إلى بعض أو تقتنع، لأنها ليست أصوات أفراد بل جماعات بكاملها، بكل أزماتها الوجودية وهوياتها الخاصة وموروثاتها الثقافية.
وبالنسبة إلى الجماعة المسلّحة لا يمكن فصل مواقفها الحادة عن ذاكرة القرون الطويلة من الاضطهاد التي عانت منه بيئتها في هذا المشرق. لكنها تبدو في حاضرها وكأنها نسيت أن الكيان اللبناني هو أول من أولاها حقوقها، وبشكل كامل. فعلى الرغم من ضآلة عددها داخل الكيان في حينه، أعطتها «الصيغة اللبنانية» عام 1861 عضوين اثنين في «المجلس الإداري» (الحكومة) لمتصرفية جبل لبنان، مثلها مثل الجماعة الكبرى آنذاك، ومثلها مثل الجماعات الست التي تمثّلت في المجلس. وانسحب هذا التمثيل على جميع الهيئات المحلية في البلاد. ومع قيام «لبنان الكبير» عام 1920، ثم دولة الاستقلال، تكرّس هذا التمثيل أكثر فأكثر، على مستوى مجمل مؤسسات الدولة، على الرغم من عثرات التنمية في المناطق الداخلية.
لكن مع بروز الثورة الخمينية وطموحاتها الاستراتيجية في الإقليم، وضمن ظروف ومعادلات دولية ملائمة، تعاظم دور الجماعة المسلحة عينها ضمن الواقع اللبناني أكثر فأكثر على مدى الأربعين عاماً المنصرمة، بحيث، وللمرة الأولى في تاريخها، لم تعد تكتفي بكامل حقوقها، بل تخطتها لتكرّس لنفسها مواطنية من الدرجة الأولى، بما يعنيه ذلك من مكاسب وامتيازات، ولتهيمن على سائر مكوّنات الكيان اللبناني ودولته.
من المعروف أن الجماعة، أي جماعة، لا تتخلى من تلقائها عن امتيازاتها، بل نتيجة صراعات ونكسات وهزائم. إن اعتناق الجماعة المسلحة في لبنان آيديولوجية مذهبية أحاديّة، من خارج العصر والحداثة، كان لا بدّ أن يوصلها في وقت ما إلى المأزق الداخلي في بلد عميق التعدّدية، عريق في ثقافة الحرية والانفتاح على العالم. لكن المأزق أتى من مكان آخر، من الخارج. فالجماعة المسلحة، حين وصلت إلى قمة نفوذها، انقلب فجأة زمانها رأساً على عقب، نتيجة التصدّع الخطير الذي أصابها وأصاب المحور الإقليمي الكبير الذي تنتمي إليه، في مهبّ المواجهة الحربية القاسية مع التحالف الإسرائيلي-الغربي، المتفوّق تكنولوجيّاً، في غياب المؤازرة العسكرية الروسية والصينية. وما زاد من خطورة هذه الانتكاسة سقوط نظام آل الأسد في سوريا، مما قطع الشريان الحيوي وأكمل الحصار.
كانت تَأمل الجماعة المسلّحة على الأرجح أن توليها «حرب الإسناد» المزيد من التألق والتفوّق في الداخل اللبناني، الذي هو الغاية والمرتجى من الأساس، نتيجة تحدّي الدولة العبرية ومهاجمتها. لكن النتائج النهائية قلبت المعادلة فجأة رأساً على عقب، وأحدثت اختلالات عميقة في موازين القوى، فضلاً عن الخسائر البشرية والدمار الهائل ومأساة التهجير.
هكذا بين ليلة وضحاها، بات على هذه الجماعة الانتقال دفعة واحدة من قمة الامتيازات إلى وجوب التخلي عن سلاحها الذي هو أساس سيطرتها وعلّة وجودها. وهذا الانتقال من حال إلى حال هو من التسارع بحيث يصعب تماماً استيعابه وتقبله، خصوصاً أنه يحدث في محيط شديد الاهتزاز، كثير الأخطار. كما يصعب تجاوزه ورفضه وسط الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية التي لا تكلّ. ولا يخفّف من هذا المأزق أن يكون الآمر الناهي في النهاية هو «صاحب الزمان».

