عادل المرزوقي
تمثّل الرحمة جوهر الدين الإسلامي وغاية رسالته، وهي صفة من صفات رب العزة والجلالة، فهو «الرحمن الرحيم»، القائل في محكم التنزيل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. ولا تقتصر الرحمة على كونها قيمة إيمانية فحسب، بل هي سلوك إنساني وأخلاق رفيعة تتجلى في العطف والرأفة، ومساندة المحتاجين، بدءاً من الأسرة، وامتداداً إلى المجتمع، وصولاً إلى رعاية الحيوانات والحفاظ على البيئة. كما تشكل أساساً متيناً لتماسك المجتمع وبناء علاقات إنسانية إيجابية قائمة على الإحسان والتكافل.
وفي دبي، تبدو الرحمة مساراً ممتداً يتجلى في تفاصيلها اليومية، وكأنها جزء من إيقاع الحياة فيها، ممارسة هادئة لا تميز بين كائن وآخر، ولا تنتظر مقابلاً، وإنما تنطلق من إيمان عميق بأن العناية بالحياة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مبادرة مؤسسية. فالمدن لا تُقاس بارتفاع أبراجها فحسب، بل بما تحتضنه من مشاريع إنسانية تشكل الرحمة أحد أعمدتها الأساسية. ويتجلى هذا النهج في مشروع «نوافير الرحمة» الذي أطلقته بلدية دبي، ويتضمن تركيب 50 نافورة مخصصة لسقيا الطيور والحيوانات البرية في مختلف مناطق الإمارة، في ترجمة عملية لقيم العطف والرأفة. وينسجم هذا المشروع مع ما أرساه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، من حضور راسخ لمعاني الرحمة والخير في نهج دبي وأهلها.
أن تُسقى الطيور في قيظ الصيف، وأن تجد الكائنات البرية مورداً آمناً للماء، فذلك فعل حضاري بامتياز، ويجسد رؤية مدينة ترى في الرحمة مظهراً من مظاهر حضارتها، وفي العناية بالحياة امتداداً لهويتها وقيمها، و«نوافير الرحمة» تمثل إشارات إنسانية دقيقة تذكرنا بأن التقدّم لا يكتمل دون عناية، وأن الاستدامة تبدأ حين نعيد تعريف علاقتنا بما يحيط بنا.
مسار:
تترك «نوافير الرحمة» أثراً عميقاً في الوجدان، وتبرز صورة مدينة تمضي بثقة نحو المستقبل دون أن تتخلى عن إنسانيتها.

