علي عبيد الهاملي
في السياسة، لا تأتي القرارات الكبرى فجأة، حتى وإن بدت كذلك في عيون المتابعين. فهي غالباً خلاصة تراكم طويل من المراقبة، والتجربة، وإعادة التقييم. من هذا المنظور، يمكن قراءة القرار الأمريكي بتصنيف فروع جماعة «الإخوان» في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية، بوصفه لحظة مفصلية في مسار طويل من الجدل الغربي حول طبيعة هذه الجماعة، وحدود خطابها، والفصل بين العمل السياسي المشروع، والعمل الأيديولوجي العابر للحدود.
لأعوام طويلة، ظلّ الغرب، والولايات المتحدة تحديداً، يتعامل مع جماعة الإخوان باعتبارها حالة رمادية، لا هي تنظيم إرهابي صريح، من وجهة نظره، ولا هي حركة سياسية مدنية مكتملة الشروط. هذا التردد لم يكن نابعاً من جهل بطبيعة الجماعة، بقدر ما كان انعكاساً لرهانات سياسية قصيرة المدى، ساد فيها الاعتقاد بأن احتواء «الإخوان»، أو توظيفهم، أقل كلفة من مواجهتهم. لكن التجربة، مرة أخرى، أثبتت أن التنظيمات المؤدلجة لا تُروَّض، وأن خطاب المرحلة والضرورة، سرعان ما ينقلب إلى مشروع صدامي، حين تتوفر له الظروف.
اللافت في القرار الأمريكي، أنه لم يستهدف الجماعة بصفتها الأم فقط، بل تعامل مع فروعها، بوصفها كيانات مستقلة في الفعل والخطر، وهو تطور بالغ الدلالة. فلطالما احتمت الجماعة، في خطابها الدفاعي، بفكرة الخصوصية المحلية لكل فرع، محاوِلةً الفصل بين التنظيم العالمي والسلوك الوطني. إلا أن هذا القرار يعيد التأكيد على أن وحدة الفكرة، ووحدة المنهج، ووحدة شبكة العلاقات، تجعل من هذا الفصل ادعاءً سياسياً، أكثر منه حقيقة تنظيمية.
القرار، في جوهره، ليس شأناً أمريكياً داخلياً فحسب، بل رسالة متعددة الاتجاهات. الرسالة الأولى موجهة إلى الدول التي عانت طويلاً من تمدد خطاب «الإخوان»، ومحاولاتهم اختراق مؤسسات الدولة والمجتمع، بأن المقاربة الدولية بدأت تميل إلى الواقعية، وإلى الإصغاء لتجارب المنطقة، بدلاً من إسقاط نماذج نظرية جاهزة عليها. والرسالة الثانية موجهة إلى الجماعة نفسها، بأن زمن اللعب على التناقضات الدولية، أو الاختباء خلف شعارات الديمقراطية، لم يعد مضمون النتائج.
الأسباب التي ساقتها واشنطن، من تهديد المصالح الأمريكية، ودعم جماعات مصنفة إرهابية، ليست جديدة على تقارير مراكز البحث، ولا على أرشيف الاستخبارات الغربية. الجديد هو الانتقال من خانة التوصيف والتحليل إلى خانة القرار والتنفيذ. وهنا يكمن التحول الحقيقي. فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يُتخذ من قرارات، وبما يترتب عليها من التزامات قانونية ومالية وأمنية.
التبعات المتوقعة لهذا التصنيف لا تقتصر على تجفيف منابع التمويل، أو فرض العقوبات على الأفراد والكيانات المرتبطة بالجماعة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل صورة الإخوان في الوعي الغربي العام. فالتصنيف القانوني يسبق غالباً التحول الثقافي والإعلامي، ويعيد تعريف الشرعية والمظلومية، التي طالما حاول التنظيم توظيفها في خطاباته الموجهة للداخل والخارج.
ومع ذلك، فإن الأهم من القرار نفسه، هو ما سيليه. فالتجارب السابقة علمتنا أن القرارات غير المستندة إلى رؤية شاملة، قد تتحول إلى مجرد عناوين عابرة. المواجهة الحقيقية مع التنظيمات الأيديولوجية لا تكون أمنية فقط، بل فكرية وثقافية وتنموية. فالتطرف لا ينمو في الفراغ، بل في بيئات مأزومة، يشعر فيها الشباب بالاغتراب، أو بانسداد الأفق، أو بتناقض الخطاب بين ما يُقال وما يُمارس.
من هنا، تبدو أهمية النموذج الذي تبنته دولة الإمارات العربية المتحدة في التعامل مع تيارات التطرف السياسي. نموذج لا يكتفي بالتصنيف والملاحقة، بل يذهب أبعد، إلى بناء دولة القانون، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، والاستثمار في التعليم والثقافة والاقتصاد، بوصفها خطوط الدفاع الأولى ضد أي فكر عابر للحدود. هذا النموذج، هو ما جعل الموقف الإماراتي ثابتاً وواضحاً منذ البداية، بعيداً عن التردد أو المساومة.
القرار الأمريكي، في نهاية المطاف، خطوة في مسار أطول، وليس نهاية الطريق. نجاحه أو فشله سيتوقف على مدى اتساقه مع سياسات أوسع، تعترف بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بتحالفات ظرفية مع جماعات مؤدلجة، بل بدعم الدول الوطنية، ومؤسساتها الشرعية، ومشاريعها التنموية. أما الرهان على التنظيمات، فقد أثبت التاريخ، القريب قبل البعيد، أنه رهان خاسر، مهما طال أمده، وتنوعت أشكاله.

