: آخر تحديث

شتاؤنا.. ذاكرة الدفء الجميلة

4
3
3

تغريد إبراهيم الطاسان

الشتاء في بلادنا ليس مجرد فصل من تقويم المناخ، بل حالة نفسية وثقافية واجتماعية تتبدل معها ملامح المدن والقلوب معًا. حين يهب النسيم البارد على أي من مدننا، لا يكتفي بتبريد الهواء، بل يوقظ فينا ذاكرة قديمة عن الدفء الإنساني، عن النار التي تجمع، وعن الكلمة التي تُقال بصوت منخفض لكنها تصل بعيدًا. الشتاء هنا لا يأتي محمّلًا بالثلج، بل محمّلًا بالمعاني؛ لا يكسو الأرض بالبياض، لكنه يكسو الأرواح بسؤال: ماذا نفعل بالبرد حين يصل؟ هل نحتمي منه، أم نحتضنه لنرى أنفسنا فيه؟

في كل موجة برد، تنكشف طبقات صامتة من حياتنا لا تُرى في صخب الصيف. في الشتاء تقلّ الهرولة، تتباطأ الخطوات قليلًا، وتتاح لنا فرصة النظر إلى الداخل. النار المشتعلة في استراحة على أطراف المدينة أو بيوتنا، ليست فقط وسيلة تدفئة، بل إعلان هادئ أن الإنسان لا ينجو وحده.

الجلسة حول «دلة القهوة» وحليب الزنجبيل، ليست مجرد عادة اجتماعية، بل طقس من طقوس المعنى: نحتاج إلى بعضنا أكثر حين يبرد الجو، لأن الدفء الحقيقي لا يُقاس بدرجة الحرارة بقدر ما يُقاس بعدد القلوب التي تجلس متقاربة دون ادعاء.

والسعوديون بطبعهم أبناء شمس، لكنهم حين يأتون للشتاء لا يقاومونه بالعزلة، بل يحولونه إلى موسم حضور.

الطرقات تصبح أكثر هدوءًا، لكن البيوت أكثر امتلاءً؛ الحدائق قد تقلّ فيها الحركة، لكن الأرصفة تمتلئ بقصص قصيرة تُحكى وهمس طويل يقال. في الشتاء نفهم أن الدفء مشروع جماعي، وأن «الحياة معًا» ليست خيارًا اجتماعيًا فقط، بل ضرورة نفسية. البرد يذكرك أن الإنسان هش، وأن ما يحميه ليس الجدار ولا المعطف ولا المدفأة وحدها، بل إنسان آخر يجلس بجواره.

الرمزية في شتائنا تتجاوز الجغرافيا. البرد يشبه تلك اللحظات التي تمر بها المجتمعات في حياتها العامة: أوقات تحتاج فيها إلى مزيد من التماسك، إلى إشعال نار القيم المشتركة، إلى أن تتقارب المسارات بدل أن تتباعد.

الشتاء يهمس لنا أن كل مشروع وطني يحتاج إلى معنى يشبه النار المشتعلة وسط الرمل: صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها، تمنح الضوء، وتضبط البوصلة، وتجمع المختلفين حول نقطة اتفاق واحدة: نريد العيش دافئين، متقاربين، متعاونين.

وللشتاء في مجتمعنا وجه عاطفي أيضًا. كثير من الذكريات الجميلة تُكتب في الليالي الباردة: لقاءات عائلية، ضحكات طويلة، حكايات الجدّات التي لا تُروى إلا حين يجتمع الجميع حول مصدر دفء. البرد يخلق مساحة للتأمل، للتصالح مع الذات، للهدوء الذي يعلّمنا أن القوة ليست دائمًا في الصوت العالي، بل قد تكون في القدرة على الجلوس بهدوء والاستماع إلى نبض الحياة. في الشتاء تصبح الأصوات أوضح: صوت الريح، صوت القلوب، وصوت الأسئلة الكبرى عن اتجاهنا كأفراد ومجتمع.

وإذا كان الصيف موسم الحركة السريعة، فالشتاء موسم التفكير العميق. ربما لهذا يشعر كثيرون بأن شتاءنا يمنحنا فرصة لإعادة ترتيب داخلنا، لإعادة تعريف معنى الأمان، لمعرفة من نريده بجوارنا حين يبرد كل شيء. البرد يكشف الحقيقة: ليست وفرة الأشياء هي الدفء، بل جودة الإنسان الذي يشاركك إياها. ليست كثرة التفاصيل هي الحياة، بل حرارة الشعور الذي يبقيك مرتبطًا بمن حولك.

ووسط هذا البرد، تتجلى روح سعودية خاصة: قدرة على تحويل الظروف المناخية إلى مناسبة إنسانية. نار تتقد في المخيم، مجلس عائلي في إحدى المدن، شاب يكتب، أم تحكي، طفل يتعلم أن دفء اليد التي تمسك به أهم من أي معطف.

الشتاء يعلّمنا درسًا بسيطًا وعميقًا: لسنا أقوياء لأن الطقس يلين لنا، بل لأننا نحسن أن نلين لبعضنا حين يشتد علينا الطقس.

لذلك، حين يأتي الشتاء إلينا لا يجب أن نقف عند حدود الطقس. علينا أن نقرأ الرسالة التي يحملها: اقتربوا، تحدثوا، تصالحوا، أحبّوا أكثر، واصنعوا دفئكم بأيديكم. دعوا البرد يذكّركم بأن العالم، مهما اتسع، يضيق حين يخلو من إنسانية، ويتسع حين تمتلئ الأرواح بالدفء. في النهاية، الشتاء يرحل، لكن ما يبقى هو ما بنيناه من حرارة داخل القلوب. وهذه، وحدها، هي الدفء الذي يدوم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد