: آخر تحديث

السر الذي تتمنى اليابان لو تهمس به الهند لها

6
7
7

سليمان جودة

الظاهر أن الهند على موعد مع درس جديد تعطيه للعالم، وسوف يكون الدرس أن أعداد السكان الكبيرة ليست عبئاً على الحكومة في كل الأحوال، وأن السكان حتى ولو كانوا الأعلى عدداً في العالم كما هو حال الهنود، فإنهم يمكن أن يكونوا نعمة لا نقمة، وأن الحكومات التي تتطلع إلى الزيادات السكانية لديها على أنها عبء هي حكومات غير قادرة في الحقيقة على توظيف هذه الزيادات على النحو الواجب، أو بالطريقة الصحيحة.

الدرس الهندي المرتقب تجده في ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن صندوق النقد الدولي، الذي قال إن الهند مرشحة في هذه السنة الجديدة لأن تتجاوز اليابان اقتصادياً، فتصبح الاقتصاد الرابع في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين وألمانيا.

هذا الأمر ينطوي في الحقيقة على عدد من المعاني المهمة، أولها أن الهند لما تجاوزت الصين قبل سنوات في عدد السكان، وصارت الدولة الأكبر في عدد سكانها، فإنها خططت لترجمة هذا التجاوز من مجرد مسألة عددية تتعلق بعدد السكان إلى قضية اقتصادية، تقول إن العدد السكاني الأكبر عالمياً لدى الهند هو بالتوازي قوة اقتصادية.

ومن المعاني كذلك التي تحملها توقعات صندوق النقد في العام الجديد بالنسبة للاقتصاد الهندي، أن الهند عندما ورثت المرتبة الأولى سكانياً من الصين، لم تشأ أن يقال عنها إنها الدولة الأعلى في عدد سكانها وفقط، وإنما خططت لأن يرتبط هذا العدد السكاني الأعلى بأداء اقتصادي مختلف على مستوى كل هندي.

لنا أن نلاحظ هنا أن التبديلات والتحولات العالمية لا تتم على مستوى أعداد السكان بين الدول وحسب، وإنما تتم على المستوى الاقتصادي كذلك.

فهل هناك علاقة بين تراجع اليابان سنة بعد سنة في ترتيب اقتصادها بين اقتصادات دول العالم، وبين تراجع المواليد لدى الأُسر اليابانية بشكل ملحوظ ومقلق للحكومة في طوكيو؟ الغالب أن هذا صحيح، أو أقرب للصحة، لأن اليابانيين قلقون جداً من هذه المسألة، وقد بلغ قلقهم من تراجع معدلات المواليد، إلى حد أنهم جاؤوا ذات يوم بوزيرة جديدة للحكومة، لم تكن لها مهمة سوى العمل على إقناع اليابانيين بالإنجاب أكثر!

حدث هذا ذات يوم قريب، وتابعناه في دهشة في وقته، ولكن الراجح أن الوزيرة لم تنجح في مهمتها، والدليل أن الشكوى لدى الحكومة اليابانية من تراجع أعداد المواليد لا تزال في مكانها. لا نزال نرى ذلك ونتابعه في مناسبات يابانية كثيرة، كما أن تجاوز الهند للاقتصاد الياباني، لا شك أن له علاقة بالموضوع، حتى ولو كانت علاقة بعيدة وغير مباشرة.

التراجع في أعداد السكان في اليابان مزعج بشدة للحكومة، ويقلقها في كل وقت، وفي كل مناسبة، وهي لا تعثر على تفسير حتى الآن لإقلاع الأُسر الجديدة عن الإنجاب، وقد وصلت الحكومة في تحذيرها من عواقب هذا الوضع إلى حد التخويف، وبلغ تخويفها إلى درجة أنها أعلنت على اليابانيين أن استمرارهم في الإقلاع عن الإنجاب، يمكن أن يؤدي في وقت من الأوقات إلى اختفاء اليابان نفسها كبلد بين بلاد الأرض!

هذه ليست طُرفة، بل حقيقة حسبتها الحكومة في طوكيو بالورقة والقلم، قبل نحو عشر سنوات، وقالت في نبأ منشور إن استمرار معدلات المواليد اليابانية بوتيرتها المنخفضة جداً حالياً، دون تغيير في اتجاه الزيادة، سوف يؤدي إلى احتمال أن يختفي اليابانيون كشعب، وحددت الحكومة موعداً لذلك بعد ثمانية قرون!

ومع ذلك، فمعدلات المواليد اليابانية لا تزال منخفضة للغاية، ولا تزال الحكومة حائرة، ماذا يمكنها أن تفعل في الأمر؟.

أما الهنود، فصاروا الأعلى عدداً في العالم، وتجاوزوا الصينيين قبل سنتين تقريباً، وترجموا زيادتهم إلى أداء اقتصادي، بشهادة صندوق النقد، بل ويطمحون بشهادة الصندوق نفسه إلى أن يتجاوزوا الألمان أنفسهم، ويصبحوا في مقعد الاقتصاد الثالث بعد الولايات المتحدة والصين! ولا بد أن الحكومة اليابانية ودّت لو تهمس لها الحكومة الهندية بالسر في التزايد السكاني، فلقد أعجزتها الحِيل في اليابان، وباتت عاجزة عن إقناع كل أسرة يابانية بأن إقبالها على الإنجاب مسألة تخص الأمن القومي الياباني على المدى البعيد، لا مجرد قضية أُسرية!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد