يدخل الصراع التاريخي، بين المشروع اللبناني والمشروع الإقليمي في لبنان بطبعته الإيرانية، مرحلة حاسمة. فقد اتضحت للمرّة الأولى المواقف على نحو غير مسبوق في الصراع الذي انطلق وتطوّر قبل 43 عاماً، إثر الثورة الخمينية، وصولاً إلى إقامة دولة المحور داخل «لبنان الكبير» وسيطرتها على قراراته الاستراتيجية، ثمّ أخيراً، تراجع المحور في لبنان والمنطقة، نتيجة الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، وما آلت إليه «حرب الإسناد» في لبنان، وسقوط نظام آل الأسد في سوريا.
هكذا، وسط مطالبة داخلية وعربية وغربية ملحة، أقدم العهد والحكومة اللبنانيان الجديدان على «القرار التاريخي» بحصر السلاح في يد الدولة اللبنانية وحدها على أرض لبنان. وهذا «القرار التاريخي» هو قرار بديهي في أي دولة في العالم؛ إذ كيف يمكن أن تقوم دولة ما وفوق أرضها سلطتان وجيشان واستراتيجيتان؟ مع ذلك، لاقى القرار رفضاً مباشراً مطلقاً من قبل النظام الإيراني، ومن القيادة المحلية لمشروع المحور، التي وصل بها الأمر إلى التهديد بالحرب الأهلية، وبهدم لبنان على رؤوس الجميع، إن مسّت يد الجيش اللبناني سلاحها.
فما العمل الآن؟ إذا استمرّ المحور في تصلّبه الشديد في موضوع السلاح، فمن المستبعد تماماً أن يلجأ الجيش اللبناني إلى القوة لتنفيذ قرار الحكومة. كما من المستبعد أن تُقدِم إسرائيل على التخفيف الفعلي من ضغطها العسكري اليومي، أو من احتلالها التلال الحدودية. وهكذا، يُخشى أن تعود الأمور إلى بدايتها...
لكن ثمة ما هو أكثر صعوبة من حصر السلاح في يد الدولة اللبنانية: رسم الخطّ الفاصل بين دولة «لبنان الكبير» ودولة المحور الإقليمي في لبنان. هنا تكمن المعضلة الكبرى. لقد اعتاد اللبنانيون على تداخل الدولتين فوق أرضهم، وتجذّر هذا التداخل في مؤسساتهم وفي حياتهم اليومية على مدى عشرات السنين، بحيث لم يعودوا يدركون أن خلاص بلادهم يكمن بالدرجة الأولى في رسم الحدّ الواضح الفاصل بين الدولتين، وهي مهمة بالغة التعقيد.
لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا التداخل ليس متبادلاً قطّ، بل من جانب واحد. فدولة «لبنان الكبير» لم تسعَ يوماً إلى اختراق دولة المحور في لبنان، وهي في أي حال، غير قادرة على ذلك، بسبب الطابع الأحادي المغلق لدولة المحور في كل المجالات. فمن يستطيع اختراق دولة المحور، كما بيّنته «حرب الإسناد»، هي إسرائيل، وليس دولة «لبنان الكبير» التعدّدية، المنفتحة، القائمة أساساً على فلسفة الحريات وحقوق الإنسان، في محيطٍ مناقضٍ لذلك كلّه.
رسم الخطّ الفاصل... مهمّة هائلة الصعوبة. لنبدأ بالسلطات العليا. رئاسة المجلس النيابي اللبناني، الذي هو مصدر السلطات، معقودة اللواء منذ ثلث قرن بلا انقطاع، لأحد قطبي دولة المحور، يتصرّف بها كما يشاء. والانتخابات النيابية نفسها لا صحّة تمثيلية فعلية لها منذ عقود، ما دامت تجري بمعيارين شديدي الاختلاف: في منطقة المحور تتمّ تحت سطوة السلاح فتأتي بكتلة نيابية مكبّلة من لون واحد لا تُخرَق، بينما تجري في جوّ التعدّدية الواسعة في منطقة دولة «لبنان الكبير» فتأتي مختلفة الأشكال والألوان والمشارب... والاختراقات. أما رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والحكومة، فهي منذ عقود في إمرة المحور، ببعده السوري - الإيراني أولاً، ثم الإيراني البحت. وهي المرّة الأولى الآن التي تفلت فيها الرئاستان وحكومتهما من قبضة المحور بعد أن تداعت سلطته الإقليمية.
وإذا كانت هذه حال الرئاسات الثلاث، والمجلس النيابي والحكومة، فكيف ستكون حال المؤسسات والأجهزة والدوائر الكثيرة الأخرى في دولة «لبنان الكبير»، المتغلغلة فيها والفاعلة في خلاياها على مرّ الزمن، واليوم أيضاً، عناصر المحور؟
والمثال الأبلغ على ذلك أنه لا سبيل للكشف عن أي حدث، مهما كان جسيماً، إذا كانت وراءه دولة المحور.
هل تبدأ رحلة الألف ميل في محاولة رسم الخط الفاصل بين هاتين الدولتين فوق الأرض اللبنانية، وهل من نصيب لها في النجاح؟ سؤال تصعب الإجابة عنه، أكثر مما تصعب الإجابة عن مصير حصر السلاح في يد الدولة اللبنانية.
وما يزيد غموض هاتين الإجابتين أن قيادة المحور المركزية في طهران غير مهتمة بالتفاوض الجدّي حولهما مع الدولة اللبنانية، التي لا يعيرها المحور الكثير من الاهتمام؛ إذ إن أنظاره مثبتة على التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، ومن خلالها مع الدولة العبرية. وسوى ذلك في نظره تفاصيل لا شأن كبيراً لها. ولا بد أن يعي دعاة المشروع اللبناني هذه الحقيقة الواقعة، مهما كانت مرّة.