: آخر تحديث

حروب التجارة وتداعيات ضعف الدولار

1
1
2

عدنان كريمة

في أسوأ أداءٍ نصف سنوي له منذ العام 1973، ومع بداية ولاية الرئيس دونالد ترمب الذي يقود حروبًا تجارية ضد الدول «الأعداء والحُلفاء»، تَعَرضَ مؤشر الدولار الأمريكي لضغوطٍ شديدة خلال النصف الأول من العام الحالي، ليُسجلَ تراجُعًا بنسبة 11 % منذ بداية يناير. ويعزو الخُبراءُ أسبابَ هذا الضعف إلى حالةِ الغموض التي تلف السياسات التجارية والمالية والنقدية، إلى جانب ضغوط ترمب المُستمرة على الاحتياطي الفدرالي لخفض أسعار الفائدة. في المقابل ارتفعَ سعر صرف اليورو أمام الدولار بنسبة 13.8 %، مُتجاوِزًا 1.18 دولار، ليَبلغَ أقوى مستوىً له منذ سبتمبر2021. وقد بَدأ يَستعيد قوتَهُ في خضم صحوةٍ أوروبية، مُستفيدًا من الخطط المالية التوسعية غير المسبوقة التي أعلنتها ألمانيا لتعزيز ثقة المُستثمِرين بالاقتصاد الأوروبي، وذلك وسط إشاراتٍ إلى أن «القارة العجوز» أَخذت طريقَها نحو تجاوُز سنوات الركود، ما يَجعل اليورو أكثر جاذبيةً كعملةِ احتياطٍ لدى البنوك المركزية، وهو يَستعد لرفع حصته من 20 إلى 25 %. وعلى الرغم من أن هذا الرقم لا يزال بعيدًا عن حصة الدولار البالغة نسبتها 58 %، فهي مرشحة لمزيدٍ من التراجُع مع ارتفاع حصة الذهب التي سَبقت اليورو، وتَحتل المرتبةَ الثانية، إذ تَقترب بالتدريج من حصة الدولار، عِلمًا أنها تجاوَزتهُ على لائحة «أهم المَلاذات الآمنة» للمُستثمِرين والمُدخِرين، فضلًا عن الاحتياطات الدولية. في «لحظةٍ محورية»، يَدخل الاقتصاد العالَمي حقبةً جديدةً من الضبابية المتزايدة، ومن عدم القدرة على التنبؤ، أمام اختبار مدى ثقة الناس بالمؤسسات الدولية، وكذلك البنوك المركزية في العالَم. وفي أحدث تقييمٍ لحالة الاقتصاد العالمي، حذرَ بنكُ التسويات الدولية، الذي يُتابِع مسيرةَ البنوك المركزية، من أن «تؤدي الحرب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة، وغيرها من التحولات السياسية، إلى إنهاك النظام الاقتصادي الراسخ منذ فترةٍ طويلة، وسط انقساماتٍ عميقة في النظام المالي العالَمي». ويأتي هذا التحذير بَعد ستة أشهر من «اضطرابات جيوسياسية»، مُترافقة مع مسيرةِ مُفاوضاتٍ قد تَطول بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، للوصول إلى اتفاقٍ تجاري «عادل» حول الرسوم الجمركية، لإعادة التوازُن للميزان التجاري، بما يَخدم الاقتصاد الأمريكي «المأزوم» اقتصاديا وماليا ونقديا. وفي الوقت نفسه جاءَ تحذيرُ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن دولًا عدة قد تُواجِه زياداتٍ كبيرة في الرسوم الجمركية، حتى في حال تفاوضها بـ«حُسن نية». وأضافَ موضحًا «لكن إذا لم نَتمكن من تجاوُز العقبات بسبب مواقفها المتعنتة، فقد نُضطر للعودة إلى الرسوم المُعلَنة في أبريل الماضي، وآمل أن نَتجنبَ هذا السيناريو». تكتل تجاري عالمي في هذا السياق، سجلت واشنطن خطوةً إيجابية مع الصين، بالوصول إلى اتفاقٍ تجاري شاملٍ بين أكبر اقتصادَين في العالَم، وُصِف بأنه خطوة تكتيكية من الإدارة الأمريكية في مَسيرتِها لإعادة ترتيب تحالفاتها الاقتصادية، مع السعي إلى فتح السوق الهندية بشكلٍ أوسع أمام المُنتجات والتقنيات الأمريكية. لكن يبدو أن المشكلة الأكثر تعقيدًا تبقى على الجبهة الأمريكية الأوروبية، وخصوصًا أن الدول الأوروبية هي الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة، إذ بَلغ حَجمُ التبادُل بينهما في العام الماضي أكثر من تريليون دولار، ويُمثل نحو 4.9 % من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، مُتفوقًا على التجارة مع الصين التي شكلت 2.2 % فقط. وإذا كان العجز الأمريكي مع أوروبا قد بَلغ 236 مليار دولار، فهذا الرقم يتقلص إلى 160 مليار دولار، في حال احتساب الصادرات الخَدمية الأمريكية إليها والتي تُسجل فائضًا لمصلحة واشنطن بقيمة 76 مليار دولار. ومع استمرار تبادُل التهديدات والتحذيرات بين شعار «أمريكا أولًا»، الذي يرفعه ترمب، وبين تأكيد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن «جميع الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة، ولكننا سنُدافع عن المصلحة الأوروبية في النهاية»، فإن مخاطر استمرار الحرب التجارية تَنعكس بتأثيراتها على مسيرة الاقتصاد العالمي. اللا يقين الإستراتيجي في خضم أزماتها الاقتصادية والمالية والنقدية، تُواجِه واشنطن، وللمرةِ الأولى، تداعيات إعلان «موديز» عن خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة من درجة ممتاز«AAA» وهي الأعلى، إلى درجة «AA1»، مع نظرةٍ مستقبلية مستقرة، وذلك نتيجة مجموعة عوامل مُتداخلة تَعكس هشاشةَ الوضع المالي العام، وتفاقُم الضغوط المستقبلية على الميزانية الفدرالية؛ ولعل أهمها، الارتفاع الحاد في الدين العام الذي تَجاوز 36.2 تريليون دولار، وسيُواصل مَساره التصاعدي، ليَتجاوَز الأربعين تريليونًا. فيما تَبرز تكلفة خدمة هذا الدين البالغة تريليون دولارٍ سنويا، كعبءٍ إضافي على المالية العامة. ولكن الأكثر خطورة، أن قرار «موديز» يُسلط الضوءَ على العجز السياسي في مُواجَهة الأزمة. وحذرَ بأنه في «حال استمرت هذه الديناميكية من دون تدخلٍ حاسم، فقد لا يكون خفض التصنيف الحالي هو الأخير، ما يُهدد بتقويضِ مكانةِ الدولار، كعملةِ احتياطٍ عالمية، ويُعرض الأسواق العالمية لتقلباتٍ غير مسبوقة». لا شك في أن التحوُل المُفاجئ في التوجهات الإستراتيجية لإدارة الرئيس ترمب أَثارَ قلقًا واسعًا في الأوساط الاستثمارية حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والسياسي، وأَسهمَ ذلك في تعميق حالة «عدم اليقين»، وإضعاف الثقة، وخصوصًا أن سلسلة تقارير أمريكية ودولية عممت مخاوفَها من مَخاطر هذه الحالة. ويَرى المُستثمِرون أن لا شيء يُزعجهم أكثر من «الغموض»، والفدرالي ليس في مَوقعٍ يُمكنه أن يَمنحهم «اليقين». وهو يترقب باهتمامٍ كبير نتائج نَهج ترمب في سياسته التجارية، والذي أُطلق عليه «اللا يقين الإستراتيجي»، في إشارةٍ إلى أن إبقاء الأطراف المُقابِلة على جهلٍ بالهدف النهائي المنشود لأمريكا، يُمكن أن يساعد في الحصول على صفقاتٍ أفضل. ويقول الوزير بيسنت «إن ترمب يَسير في اتجاهٍ معاكس لتطور التجارة العالمية، وهدفه من هذه السياسة هو خلق النظام من الفوضى، وتنسيق نظام التعريفات الجمركية الفوضوي، ووضع قواعد تفاوُض ثابتة تسمح للدول بالاستفادة من ميزتها النسبية والوصول إلى الأسواق الخارجية». لكن يبدو أن هذا التوضيح لأهمية «اللا يقين الإستراتيجي» لم يُقنِع المُستثمِرين الذين بدأوا يُدركون أنهم معرضون بشكلٍ مُفرط للأصول الأمريكية، علمًا أن المُستثمرين الأجانب يَمتلكون نحو 31 تريليون دولار، موزعةً بين 19 تريليون دولار في الأسهم الأمريكية، و7 تريليونات في سندات الخزينة، و5 تريليونات دولار في سندات الشركات. وفي مذكرةٍ بحثية من ضمن توقعاته نصف السنوية، حَذر مُحللو بنك «جي بي مورغان» من أن السياسات التجارية الأمريكية قد تتسبب في تباطؤ نمو الاقتصاد العالَمي، وفي زيادة معدلات التضخم في الولايات المتحدة، ما يَرفع احتمالية حدوث ركودٍ اقتصادي خلال النصف الثاني من العام الحالي إلى 40 %. وتوقع البنكُ أن يَبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي 1.3 % فقط، مُسجلًا انخفاضًا عن تقديراتٍ سابقة بحدود 2 %. الهروب من الدولار مع تراجُع «الثقة» بالدولار، تَشهد أسواقُ المال عمليات بَيعٍ مُكثفة للأصول الأمريكية، بما في ذلك السندات والأسهم، بحيث لم تَعُد سنداتُ الخزانة الأمريكية ذلك «الركن المكين» الذي يُطمئِن الأسواق، ويَرسو النظامُ المالي العالَمي على ضفافِه، بل باتَ مَصدرَ ارتباكٍ وتوجسٍ، ومِحورًا لأسئلةٍ وجودية تَهز «ثقةَ» المُستثمِرين وصناع القرار على حد سواء؛ إذ أَحدثَ ذلك شروخًا في بنية الاقتصاد العالمي، وكشفَت أزمةُ العام 2024 - 2025، عن عطبٍ هيكلي عميق، ليس في إدارة الدين الأمريكي البالغ نحو 36.2 تريليون دولار، والذي تُمثل سنداتُ الخزانة منه نحو 29 تريليون دولار فحسب، بل في الفرضية التي قامَت عليها الهيمنةُ المالية الأمريكية منذ اتفاقية «بريتون وودز». مع العِلم أن هذه السندات تُعَد الدعامةَ الأساسية للنظام المالي العالمي، والملاذَ الآمن على مدار عقود، يلوذ به المُستثمرون في أوقات الأزمات، والمقياس الذهبي للديون السيادية، والحجر الأساس لسوق رأس المال العالمية. ولذلك أَطلق بعضُ الاقتصاديين على ما يَحدث حاليا عبارة «الصدمة الكبرى لسندات الخزانة»، وهي ليست مجرد أزمة تقلبات في السوق، بل أزمة هيكلية وجيوسياسية. وقد اجتَمعت العجوزاتُ المالية المُتفاقمة، والانقسامُ السياسي الأمريكي، وتراجُعُ «ثقة» المُستثمِرين العالميين، لتَدفعَ بعوائد هذه السندات إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، وتُطلِقَ نقاشًا جادا بشأن مستقبل الدولار، باعتباره عملةً احتياطية عالمية. ويرى مراقبون أن الاضطرابات في مزادات السندات، وهروب رؤوس الأموال، والتساؤل عن جدوى استمرار الدولار عملة احتياطية، هي كلها مؤشرات تشير ليس إلى مجرد مخاوف عابرة، بل إلى نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة. مع الإشارة إلى أهمية تحول الأموال من بَيع السندات إلى شراء «الذهب» وهو أهم ملاذٍ آمنٍ للمُستثمِرين وللبنوك المركزية في العالَم، التي اشترت في العام الماضي أكثر من ألف طن لدعمِ احتياطاتها. ووفقَ تقريرٍ لمجلس الذهب العالَمي، سجلت صناديقُ الذهب المُتداوَلة عالَميا تدفقاتٍ بقيمة 86 مليار دولار في شهر آذار/ مارس الماضي، أي ما يُعادل 92 طنا، وشكلت الصناديقُ المُتداوَلة في أمريكا الشمالية النصيبَ الأكبر من التدفقات العالمية بنسبة 61 %، تَلتها أوروبا بنسبة 22 %، بينما أَسهمت آسيا بنحو 16 % من إجمالي الاستثمارات. وبَلغت التدفقات خلال الربع الأول من العام الحالي 226 طنا بقيمة 210 مليارات دولار، وهو ثاني أعلى مستوى ربع سنوي في التاريخ من حيث القيمة الدولارية. وهكذا، فإن الحروب التجارية الحالية التي تقودها الولايات المتحدة، ليست مجرد خلافاتٍ في الرسوم الجمركية، بل تُعبر عن تحولاتٍ إستراتيجية في العلاقات الاقتصادية الدولية، تتقاطَع فيها السياسةُ مع الاقتصاد، وتُدلل تطوراتُها على تحولٍ جوهري في شكل النظام التجاري الدولي. ومع صعود السياسات الانعزالية، يَتجه العالَم نحو التحالُفات الانتقائية، لا إلى القواعد العالمية الموحدة. ومن خلال تحليل آثارها على النمو والسياسة النقدية والاستقرار الإقليمي، يتضح أن هذه الأزمة تَضع الاقتصاد العالمي أمام اختيارٍ حاسم، ما يُعيد إلى الأذهان نظامَ ثلاثينيات القرن الماضي، حين أدى تفكك التعاون التجاري إلى تسارُع الانهيار الاقتصادي العالمي. *كاتب ومحلل اقتصادي من لبنان * ينشر بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد