تعيش أناييس نين فترة من الزمن وهي تحت سحر فاس ومهرجانها، ومنها تذهب إلى مهرجانات مراكش. إليكم هذا النص الفائق الجمال:
«أتذكر ذات ليلة: كنتُ في فندق مغربي بُني على غرار منزل إسباني يحيط بالفناء، يؤدي السُّلم فيه إلى شرفة على السطح. لم أتمكن من النوم، فتمشيت في الأرجاء، متوجهةً نحو الشرفة. سمعت ترتيل المسلمين يأتي من المسجد. بدت النجوم أكثر عدداً وأكثر قرباً كحالها في المكسيك. كانت البلدة نائمة، يغمرها اللون الأبيض، ونور القمر. أن يصليَ شخصٌ من أجلنا فيما ننعم جميعاً بالنوم؛ يُشعِر المرءَ أنه محمي على نحو غامض. سحرني المغرب من جديد، كما فعل من قبل... ثمة جاذبية عميقة لا يمكن تحديدها؛ اعتقدت مرةً أنها شكلُ مدنِه الشبيه بالمتاهة، لكني الآن أعشق الصحراء.
في مراكش، شعرتُ بقوة الحياة كما في فاس. رائحة الطبخ تفوح من أكشاك الطعام، بهلواناتٌ يقدمون عروضَهم وسط جماعة متنبهة من الناس... حاملو المياه يرتدون ملابس مزينةً برقائق براقة، عتيقة الطراز، وأجراس على قبعاتهم. راقصون يقفزون في الهواء، مبتلعو السيوف يُدهشون الأطفال... ملتهمو النار، تجار السجاد، المتسلون، نساء منقبات... حتى إن (الهِيبِيِّينَ) بهيئتهم الرثة يتسولون من فقراء العرب، مُعوِّلين على حسهم الديني بحسن الضيافة. أحببت الطريقة التي يحتضنون بها أنفسَهم في بَرَانِسِهم، ويغفون على عتبات منازلهم. الجو حار... جلسنا بالشرفة وتمكّنا من رؤية المشهد المبهر بأكمله. مشهد ثري بالألوان، والروائح، والأصوات، تقشعر الأبدان من زخمه العاطفي.
في فجر أحد الأيام، ذهبنا إلى سوق الجِمال في (كلميم) التي تقع على حافة الصحراء الكبرى، في منطقة يوصف سكانها بـ(العرب الزُّرق)، لارتدائهم قفاطين بظلال مميزة من اللون الأزرق، لا ترتديها أي قبيلة أخرى. وبالتالي ينعكس اللون الأزرق على بشرتهم، ولهذا أطلق عليهم اسم (الشعب الأزرق).
تتوفر الجِمال بمختلف الأحجام والصفات، ويُجرى كثير من المفاوضات حولها، وتُفحص أسنانها لمعرفة سنها.
دائماً ما تتوهج عيون الشباب والكبار، أما عيون الأطفال فمضيئة كشعاعِ شمسٍ منعكسٍ على حجر العقيق.
نعيش في العصور القديمة... سُيّاح يفسدون الأطفال؛ يعلمونهم التسول، على الرغم من معاقبة والديهم على ذلك.
يوضح دليل لنا، يرتدي قفطاناً أزرق نقياً وقميصاً أبيض ناصعاً، كيف تسلق شجرة وقطع ثمرة جوز الهند من دون أن يلطخ ملابسه أو يجعدها.
تفوح دائماً رائحةُ خشب يحترق، تشبه رائحةَ البخور. مدن جميلة، هادئة، تقبع وسط الصحراء، سكانها صامتون. قد يتناهى صوتُ نايٍ صغيرٍ، وأجراسٍ معلقةٍ على حيوان، وترنيمةٍ دينيةٍ تقتحم حدتُها الصمت».