: آخر تحديث

ما هي الخطوة التالية بين لبنان وإسرائيل؟

3
1
2

يأتي الأميركيون إلى لبنان ويذهبون مرتاحين، وفي كل مرةٍ تزداد أعدادهم وتبدو تحركاتهم الاجتماعية في الغدوات والعشوات أحياناً أهمَّ من تصرفاتهم السياسية! وأما في إسرائيل، فإنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الشديد الغلاظة في غزة والضفة وسوريا... وحتى اليمن والعراق، يبدو «لطيفاً» مع لبنان وحكومته إلى حدود الثناء عليها بسبب قرارها شبه الجماعي بنزع سلاح «حزب الله». لكنه بعد الثناء الجزيل يقول إنّ العبرة بالخطوات التنفيذية التي يمكن أن تجيب عنها الدولة العبرية بالإيجاب لجهات وقف القتل بالغارات اليومية والانسحاب التدريجي وإطلاق سراح الأسرى. لكن حتى وتائر الانسحاب تبقى غير معروفة، فهل يبدأ الانسحاب عندما ينزع الجيش اللبناني السلاح في منطقة شمال الليطاني، أم لا بد من الانتظار إلى أن يسلِّم الحزب سلاحه في سائر أنحاء لبنان؟! لقد أعطى المبعوث الأميركي توم برّاك الانطباع دائماً بأنّ لبنان خطا الخطوة الأولى بالقرار الحكومي اللبناني الفريد في نوعه منذ ثلاثين عاماً، لكنه بعد عودته أخيراً من زيارة الدولة العبرية والثناء الجزيل أيضاً على تسامح نتنياهو وأريحيته، بدا موافقاً له على أنّ لبنان لم يخطُ الخطوة الأولى بعد؛ فالعبرةُ بالأفعال لا بالأقوال! السياسيون اللبنانيون يعتبرون تصريحات رئيس الجمهورية وإعلانات رئيس الحكومة قرارات جبارة، بينما هي عند نتنياهو وبرّاك أقوال تظل كذلك حتى تقترن بالأفعال (نزع سلاح الحزب بالفعل)! وإذا قايسنا بالفعل بين الأفعال والأقوال نجد الأمر طويلاً جداً، فبعد ثمانية أشهرٍ وأكثر لا يزال الجيش و«يونيفيل» يجدان مخازن سلاحٍ للحزب بجنوب الليطاني، فكيف بشماله وبالبقاع حتى الحدود مع سوريا؟!

أمام ارتياح مورغان أورتاغوس التي ذهبت من أمام منزل الرئيس نبيه بري إلى أنّ كلام أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم «مثير للشفقة»؛ نجد الحزب، بل ومعظم الطائفة الشيعية في توترٍ شديدٍ وليس في مواجهة إسرائيل، بل في مواجهة السلطة اللبنانية (وبخاصة رئيس الحكومة) بسبب قرارها وإصرارها من دون أن تحصل على شيء من إسرائيل. ولذلك يهدد أمين عام الحزب بالويل والثبور وعظائم الأمور، ومنها الملحمة الكربلائية والحرب الأهلية. نواب «حزب الله» مسرورون من تقدير برّاك المتفائل للشيعة بلبنان أنّ أعدادهم تبلغ الأربعين في المائة من مجموع الشعب اللبناني (والواقع أنهم لا يزيدون على الثلاثين في المائة، والأعداد على أي حال غير مهمة، فحتى السريان الأرثوذكس أو الأرمن يستطيعون إحداث مشكلةٍ كبرى إن أرادوا)؛ لكنهم ثائرون لاستخفاف مجلس الوزراء بوزرائهم الأربعة الذين غادروا جلسة القرار، ويعتبرون أن المجلس غادرته الميثاقية، بل وخالف الدستور! وما شهروا السلاح بعد بل اكتفوا بمسِيرات الموتوسيكلات، ومنعهم الرئيس بري من تسيير الحشود بالشارع عندما كان برّاك ووفده لا يزالون بلبنان.

إنما ما الذي سيحدث بعد أسبوع عندما تناقش الحكومة في 2 سبتمبر (أيلول) خطة الجيش لنزع سلاح الحزب حتى آخر العام؟ مفاوضات متعددة المستويات جرت مع بري والحزب للتفكير بطريقة لا تقتل الذئب ولا تُفني الغنم. وبعد هياجات نعيم قاسم ومحمد رعد ومشايخ الشيعة والإيرانيين يعرف الحكوميون أن الحزب لن يستجيب لشيء يحفظ ماء الوجه للحكومة (الخائنة!)، بينما تتوجه الحكومة بحِيرةٍ وعجزٍ نحو واشنطن وإسرائيل. حتى الآن يهدد الحزب بالإعلام والشارع، فماذا لو أطلق صواريخ عدة على إسرائيل؟ ألن تقوم القيامة وتنشب حربٌ شاملة؟ الإسرائيليون مطمئنون ويقولون في الإعلام: لن يصل صاروخ إلى إسرائيل، بل سيُسقط في أرضه، لكن ستُشن عندها مئات الغارات لتدمير سلاح الحزب الثقيل المتبقي في مواطن تخزينه! وبالطبع لن يواجه الجيش اللبناني مسلَّحي الحزب، لكن سيجد لبنان نفسه معزولاً من جديد من دون أمثال برّاك ورؤاه التاريخية، وابتسامات أورتاغوس وشماتتها.

هل كان كل ذلك منتظراً؟ كل الأطراف كانت تتوقع نهاياتٍ أفضل: انتظر الأميركيون أن تكون الرئاسة اللبنانية أقوى، وأن يستطيع الرئيس نبيه بري التأثير أكثر على الحزب. وانتظرت السلطات اللبنانية أن تؤثر أميركا أكثر على إسرائيل، وأن يكون موقفها أكثر تضامناً مثلما تفعل مع سوريا، أما الإعلام الإسرائيلي فيقول إنّ التجارب علمت أنه يكون عليك دائماً أن تقلّع شوكك بأظافيرك!

يغادر اللبنانيون المصطافون البلاد بكثافة توقعاً للأسوأ بعد نهاية شهر أغسطس (آب) الحالي. وتتعزى قلة من السياسيين بأنه سيُمدد لـ«يونيفيل» لعامٍ مشروط من جديد. أما الانقسام بين الحزب وجمهوره من جهة، واللبنانيين الآخرين من جهةٍ ثانية فيزداد عمقاً!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد