حين نتأمل التجربة الشعرية لمحمد الثبيتي، ندرك أننا أمام شاعر لم يكتب القصيدة ليحاكي الآخرين، بل ليعيد رسم ملامح الهوية الشعرية السعودية في زمن التحولات، فقد استطاع أن يمنح القصيدة السعودية وجهها الخاص، مستمدًا مادته الأولى من المكان، ومنفتحًا في الوقت نفسه على آفاق الحداثة الشعرية العربية، ومن هنا تأتي فرادته كشاعر محلي الجذور عالمي الرؤيا، فالمكان كان الركيزة الأولى في مشروعه الشعري حيث مكة والطائف والصحراء، وهي ليست مجرد مواقع جغرافية في قصيدته، بل فضاءات رمزية تمثل الذاكرة والهوية، فالصحراء تتحول إلى كائن حي يتكلم بلغتها الخاصة، والجبال تصير شاهدة على صراع الإنسان مع الزمن حينما تفتح مغاراتها على شوارع المدينة، والواحات تنبثق كاستعارات عن الحلم والخلاص حينما تتآخى فيها النخلة والشيحة، هذه القدرة على تحويل المكان إلى لغة، واللغة إلى فضاء، هي التي منحت شعره عمقه المحلي، وفي الوقت ذاته جعلته قادرًا على مخاطبة القارئ العربي أينما كان.. أما اللغة عنده فعلامة ثانية لهويته، فهو لم يكتفِ بالموروث اللفظي التقليدي، ولم ينجرف في تيار الغموض المطلق حيث المجاز الغرائبي أو التهويم الاستعراضي، بل وجد منطقة وسطى جعلت قصيدته متفردة، ذات لغة متينة، لكنها مشبعة بالرمز، بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها، كان يعرف أن هوية القصيدة لا تُبنى على الزخرفة، بل على تكثيف المعنى وإشعال الدهشة، لهذا جاءت كلماته دائما أشبه ببحيرة صافية تحتمل كل الجواهر والمرجان بمجرد تأملها أو النظر الشفاف في أعماقها.. كذلك يحضر التاريخ أيضًا في تجربته، لا بوصفه سردًا لأحداث مضت، بل باعتباره ذاكرة متجددة، فقد استدعى الشخصيات والأساطير العربية القديمة، لكنه أعاد صياغتها لتصبح رموزًا قادرة على التعبير عن هموم الحاضر، ولهذا بدت الهوية عنده أكبر من الحنين إلى الماضي إنها إعادة قراءته بما يضيء الحاضر ويمهّد للمستقبل، وفي هذا المزج بين الأزمنة تتجلى فرادة صوته الشعري، حين جعل من القصيدة مساحة يلتقي فيها الماضي مع الحاضر في حوار مفتوح.. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن هوية الشعر السعودي عند محمد الثبيتي تقوم على ثلاثية المكان – اللغة – الرؤيا، فالمكان يمنح النص جذوره الأصيلة، واللغة تمنحه طاقته الجمالية، أما الرؤيا فتصوغ أفقه الفلسفي والوجودي، ولعل هذا التوازن هو ما جعل شعره علامة فارقة في تاريخ القصيدة السعودية، إذ قدّم نموذجًا للهوية التي لا تنغلق على ذاتها، ولا تذوب في الآخر، بل تعي نفسها في مرآة العالم.
لقد كان الثبيتي شاعرًا يُدرك أن الهوية ليست جدارًا يُشيَّد ليفصل، بل أفقًا يتسع ليجمع، ومن هنا جاءت قصيدته مزيجًا من البداوة التي تحمل رائحة التراب الأول، والحداثة التي تنفتح على أسئلة الإنسان الكبرى، وهذا ما جعل أثره يتجاوز زمنه، إذ فتح الباب لأجيال جديدة من الشعراء السعوديين ليكتبوا قصيدة أكثر جرأة، قادرة على أن تكون جزءًا من المشهد الشعري العربي الحديث دون أن تفقد خصوصيتها المحلية.
وهكذا تتجسد هوية الشعر عند محمد الثبيتي: هوية السيل الذي ينطلق من الجبال لكنه يتجه نحو البحر، إنها هوية تؤكد أن القصيدة السعودية يمكن أن تكون وفيّة لجذورها، منفتحة على آفاقها، وأن الشعر حين يصدق يظل أوسع من المكان وأبقى من الزمن.