من نافل القول إنَّ إيران اليوم، وقبل اليوم، هي «دولة الحرس الثوري» الذي يتوسّل بالتشدد والغلو السياسي، ويخيف كلَّ همسة اعتدال أو لمحة واقعية في الطبقة السياسية الإيرانية.
من آخر الأمثلة على ذلك ما فعلته نخب «الحرس الثوري» ضد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي قدَّم اعتذاراً مصوراً للدول المجاورة من الهجمات التي وقعت خلال الأيام الأخيرة. فهبُّوا هبَّةً واحدة ضد رئيس الجمهورية الآتي من غير «قبيلة» «الحرس الثوري». من هؤلاء: رئيس مجلس الشورى (البرلمان) محمد باقر قاليباف الذي قال رداً على مسعود: «دول المنطقة لن تنعم بالسَّلام ما دامت توجد قواعد أميركية في المنطقة».
ومنهم غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية عضو مجلس القيادة الانتقالي في إيران، وهو من نجوم غلاة «الحرس الثوري»: «الهجمات القوية على هذه الأهداف ستتواصل، وهذه هي الاستراتيجية المعتمدة حالياً، والحكومة والأركان الأخرى لنظام الحكم مُجمعة على ذلك».
أي إنَّه لكي يحاول من تبقَّى من «العقلاء» أو قُل الواقعيين من نخبة النظام الإيراني، فعل شيء ينقذ النظام من هذه الحفرة الزلقة، فلا بد لهم قبل ذلك من أن يواجهوا «الحرس الثوري» نفسه. هي أزمة وجودية لها سابقة تاريخيّة في إيران.
فبعد وفاة الشاه المؤسس إسماعيل الصفوي سنة 1524، تولى ابنه الشاه طهماسب الأول وكان عمره نحو 10 سنوات فقط.
وقتها كان عماد الدولة هو قوات عسكرية عقائدية اسمها «قزلباش» وتعني «الرؤوس الحمر»؛ لأنهم كانوا يعتمرون عمائمَ حمراً ذات 12 طية، في إشارة رمزية إلى المذهب الاثني عشري. كانوا مجموعة من العشائر التركمانية المؤدلجة، ثم صاروا مع الوقت كتلة من أصحاب المصالح والنفوذ والهيمنة على الدولة نفسها؛ بما فيها الشاه نفسه! بعد فترة؛ وبعدما كبرت سن طهماسب، قرَّر تهميش هذه القوات، ونفذ خطوات عدة؛ منها: إنشاء جيش بديل عن القزلباش عناصره من العبيد العسكريين الجورجيين والشركس والأرمن وكانوا يعرفون باسم: «الغلمان (Ghulams)». والاستعانة بتكتيكات دينية أخرى.
وهناك مثال قريب زمنياً وجغرافياً وثقافياً من حالة القزلباش فارسياً، وهم قوات الانكشارية العثمانية... هذه القوات التي أنشأها السلطان مراد الأول في القرن الرابع عشر الميلادي، وكانت غالبية قوامها من أسرى الحروب الأوروبية والأطفال الذين يُخطفون صغاراً ثم يربون تربية عسكرية صارمة عمادها الولاء التام للسلطان.
لكن هذه القوات، مع تراكم الثروات وزيادة الصلاحيات وتعاظم النفوذ، صارت قوة مهيمنة على القرار في السلطنة العثمانية، وجماعة مصالح متراصة بعضها مرتبط ببعض. صار نفوذ هذه الجماعة نوعياً لدرجة التحكم في عرش السلطنة نفسه! وقد قتلوا السلطان عثمان الثاني سنة 1622؛ لأنَّه حاول إصلاح الجيش. وعزلوا سلاطين آخرين.
حادثة القضاء عليهم عام 1826 تُعرف باسم: «الواقعة الخيرية»، حين سحقهم السلطان محمود الثاني وأنشأ جيشاً جديداً ضمن إصلاحات مختلفة.
اليوم يقولون إن «الحرس الثوري» يفضل نجل المرشد القتيل علي خامنئي؛ وهو مجتبَى، لكن هناك من هم أجدر منه بالمنصب، وفق التقاليد، لكن يواجه المرشحون المحتملون صعوبة في الحفاظ على طاعة «الحرس الثوري» اللازمة للحفاظ على الانضباط داخل النظام. كما جاء في تقرير من وكالة «رويترز».
هل يكون في إيران شاه جديد بثوب مرشد يقضي على نفوذ القزلباش الجدد... «الحرس الثوري»!؟ تلك هي المسألة.

