: آخر تحديث

عن أي ترمب نتحدث؟

5
5
4

المختلفون على ترمب يخطئون عندما يضعونه في قالب جامد. فهو ليس عظيماً كما يريدنا أنصاره أن نصدق، وليس شريراً كما يريد أن يُقنعنا خصومه. ليس شعبوياً انعزالياً يسعى لتفكيك النظام الأميركي كما يروج الليبراليون، وليس محافظاً «ريغانياً» كما يصوره الجمهوريون.

ترمب هو خليط من النزعات والاتجاهات والأهواء، وفي كل قضية هناك ترمب مختلف عن الآخر. يسعى ترمب إلى وضع حد للحرب الأوكرانية - الروسية، وهناك من يتهمه بأنه بفعله هذا سيؤدي إلى إضعاف التحالف الأوروبي - الأميركي، ويعلن عن تخلي واشنطن عن دورها التاريخيّ الذي لعبته بعد الحرب العالمية الثانية.

قد يكون ذلك صحيحاً جزئياً، لكن هذا الاستنتاج يصطدم بحقائق أخرى. وهي أن ضغوطات ترمب الهائلة على الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي سيقوي حلف الناتو والتحالف الأميركي - الأوروبي، وليس العكس. ينتقدونه بأنه ترك بوتين ينجو من غزوه أوكرانيا، واحتلال أراضٍ بطريقة غير شرعية، ما سيشجع غيره على القيام بالمثل. هذا صحيح أيضاً، لكنه يتعارض مع استنتاج آخر، وهو أن التقارب الأميركي مع روسيا سيضعف تحالفها مع الصين الخصم الرئيسي والتحدي الكبير للأوروبيين والأميركيين. وهو بذلك سيقوي واشنطن وحلفاءها مستقبلاً، بعد أن يعزل الصين. سيفعل على عكس ما فعله نيكسون بالتقارب مع الصين وعزلها عن الاتحاد السوفياتي.

ينفض ترمب يديه من التدخلات الخارجية، ويتخلى عن دور شرطي العالم، وفي ذات الوقت يأمر بقصف الميليشيات الحوثية بسبب هجومها على خطوط الملاحة الدولية. حراسة خطوط التجارة من سمات القوى العظمى. فعلتها سابقاً الإمبراطورية البريطانية، وتفعلها الآن الإمبراطورية الأميركية، وهي ضرورية لاستمرارية خطوط النقل وتدفق البضائع من دون عبث القراصنة والجماعات المارقة. ترمب يقوم بدور الشرطي العالمي، حتى لو ادّعى العكس.

يبدو ترمب فظاً جارحاً متنمراً (تتخلله أوقات من المديح واللطف)، لكن الأقوال لا تعكس حقيقة الأفعال. لنتذكر أن الرئيس أوباما كان مهذباً وأنيقاً، لكن سياسته الخارجية في الشرق الأوسط كانت سلبية. لقد سلّم بشكل رسمي وعلني المنطقة للهيمنة الإيرانية، يقول الجنرال ديفيد بتريوس إنه حذّره من الانسحاب من العراق، حيث سيجعله واقعاً بشكل كامل تحت نفوذ طهران. ردّ عليه أوباما: «نعم، أرى الخريطة المعلقة على جدارك!». أي أنه يدرك نتائج قراره. وفي وقته انتعشت الأصوليات، وصعد مدّ الإسلام السياسي، حتى داخل الغرب. لكن إدارة ترمب تسعى لمحاربة الجماعات المتطرفة، ما سيصبّ في مصلحة المسلمين قبل أي أحد آخر، وهذا ينفي الاتهام أنه معادٍ للمسلمين.

في مكتبه بالبيت الأبيض، يضع رجال دين أيديهم على ظهره، ويبدأون بالدعاء له، لكنه رجل غير متدين، ولم يعرف بالنزعة الإيمانية أو ارتياد الكنائس، (ويقال إنه فكّر بالقسم على كتابه «فن الصفقات» بدل الإنجيل في مراسم تنصيبه... قد تكون مبالغة، لكن الفكرة وصلت). يتهم بمعاداة المهاجرين، لكنه عيّن أعضاء من إدارته من أصول مهاجرة.

الصورة التي يتصورها كثيرون عن ترمب تأتي من خلال حملات الهجوم عليه، وتنطلق من دوافع تخصّها، «الكتّاب الأوروبيون مثلاً يهاجمونه بسبب موقفه الحالي من أوروبا، واليسار بسبب موقفه من الجندرية، والمتطرفون الإسلاميون بسبب موقفه من جماعات الإسلام السياسي السني والشيعي»، وقد يكون بعض ما يقولونه منطقياً، لكنه لا يعكس الصورة كاملةً عنه. هناك أكثر من ترمب، وفي كل قضية هناك ترمب مختلف!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد