: آخر تحديث

الغباء الاصطناعي..!

1
1
1

محمد مفتي

تعتبر تقنية الذكاء الاصطناعي هي أحد أهم مخرجات الثورات التقنية في العصر الحديث، ويتم استخدام هذه التقنية في العديد من التطبيقات الحديثة التي سهّلت التعامل مع الكثير من الأمور الحياتية ووفرت المال والجهد، والذكاء الاصطناعي ليس إنساناً بل هو مجموعة برامج متطورة تعمل بنظام الحاسب الآلي ولا يمكنها التفكير كالعقل البشري، بل هي مجموعة برامج متخصصة تقوم بالبحث والتحليل واستخلاص النتائج وتقديم المقترحات.

فيما مضى كان الذكاء يستخدم لفهم المعلومات وتحليلها، أما الآن فقد أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي المساعدة في إنشاء محتوى جديد كالصور والموسيقى وأصبح يستخدم على نطاق واسع في صناعة السينما وإعادة تركيب المشاهد التي قد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة، فلا توجد شركة إنتاج أفلام في العالم تستطيع أن تتحمّل تكلفة طائرة تسقط على الأرض ليبدو المشهد وكأنه طبيعي تماماً، ولكن تقنيات الذكاء الاصطناعي تستطيع تركيب مثل هذه المشاهد بحيث تبدو للمشاهد وكأنها حقيقية تماماً.

أيضاً في صناعة المؤثرات الصوتية تستطيع تقنية الذكاء الاصطناعي تحليل الأصوات وقياس درجة تردد صوت أي إنسان، ومن ثم تستطيع أن تقوم بنسب أي مقولة لأي شخص (أُخذت منه عينة صوت لتحليلها) بصوته الحقيقي، بحيث تبدو وكأنها لصاحب الشخصية الحقيقية، وهذه كما ذكرت تستخدم في العديد من التطبيقات لعل أهمها صناعة السينما والبرامج الوثائقية، وهي تضفي متعة حقيقية للمشاهد.

خلال فترة الحرب الروسية الأوكرانية وكذلك الحرب الأهلية السورية «قبل سقوط نظام الأسد» لاحظت انتشار بعض المقاطع المصورة المفبركة على شبكات التواصل الاجتماعي ومنها تطبيق «توك توك»، وقد بدا خلالها وكأن الجيش السوري قام باعتقال بشار الأسد، كما كنت أصادف خطابات للرئيس الروسي بوتين يتحدث خلالها عن الحرب وكأنها صادرة من الرئيس نفسه، رغم نفي وسائل الإعلام صحة هذه الخطابات.

هذه التقنية التي تم ابتكارها من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي هدفت في الأساس للترفيه، غير أنها أصبحت تستخدم على نطاق سلبي واسع -وبكل أسف- من أجل إثارة الفتنة وتأليب الشعوب في أي دولة، حيث يتم استخدام صوت أي مسؤول وكأنه يتحدث ضد مصالح شعبه، فعندما يزعم مغرض أن مسؤولاً ما في نظام أي دولة أدلى بتصريح مسيء قد تكون نسبة المصداقية في ذلك الزعم متدنية للغاية؛ لأن القارئ سيسأل بداهة عن مصدر هذا التصريح، ولكن عندما تُستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي بحرفية لتجسّد شخصية المسؤول ويتم استخدام ما يبدو وكأنه صوته الحقيقي، فقد ترتفع وقتذاك نسبة المصداقية لدى المشاهدين.

خلال تصفحي لبعض وسائل التواصل الاجتماعي مثل منصة إكس أو تيك توك أجد كثيراً -وعلى نحو صارخ- سوء استغلال لتلك التقنية بهدف مهاجمة مؤسسات المملكة ولعل أهمها هيئة الترفيه، بحث يتم دمج بعض اللقطات السلبية وغير الحقيقية في غالبية حفلات وفعاليات الهيئة بحيث تبدو وكأنها من فعاليات الهيئة بالفعل، برغم أن العقل والمنطق لا يقبلان بمثل هذه الترهات، ومن المؤسف أن البعض ممن يفتقد الخبرة في تمييز الأمور يقوم بإعادة نشر هذه المشاهد البعيدة عن الواقع لتحظى صفحته الشخصية بأعلى نسب مشاهدة وبما يدر عليه أرباحاً من المنصة نفسها.

من المؤكد أن كل تقنية وجدت أصلاً للخير وليس للشر والعبرة في تطبيقها، فالهدف من تصنيع أي دواء هو شفاء مرض معين في الجسد، ولكن سوء استخدام الدواء في غير محله أو لعلاج أمراض أخرى قد يأتي بنتيجة سلبية قد تؤدي إلى وفاة الإنسان، وهذه الحقيقة يجب أن يدركها الجميع في عصر انتشر فيه المغرضون والحاقدون من كل مكان، وقد أصبح هذا الاستخدام لبعض تقنيات الذكاء الاصطناعي مهنة تجلب الكثير من المال للبعض، غير أنها توضح مكنون نفسيته الخبيثة الحريصة على نشر الفتن.

بالنسبة لي شخصياً لا أستغرب هذا الوضع؛ فالنفس الأمارة بالسوء تستخدم كل ما لديها لتحقيق أهدافها الخبيثة، فالقاتل المأجور يقوم بقتل من لا يعرفه ولا يمت له بصلة من قريب أو بعيد، لتحقيق منفعة مادية من طرف يعرف جيداً نقاط ضعفه وشراهته للمال، فيقوم بتوظيفه كرأس حربة تقوم بقتل وذبح الأبرياء لتحقيق أهداف أجندات خارجية مشبوهة مقابل حفنة من المال.

نعيش الآن في عصر الذكاء الاصطناعي الذي استطاع إنجاز الكثير من الأمور في نطاق الصالح العام والتي أمكن الاستفادة منها ونحن داخل بيوتنا دون الحاجة إلى عناء التنقل أو السفر، غير أنه لكل تقنية جانبان قد يستخدم أحدهما للخير والآخر للشر، ويعد سوء استخدام تقنيات الذكاء الصناعي لغير المخصص لها هو الغباء الصناعي بعينه. وقيادة المملكة العربية السعودية رغم علمها بالجوانب السلبية لتقنيات الذكاء الصناعي إلا أنها قارنت بين جوانبها الإيجابية والسلبية، ولأن الجانب الإيجابي يصب في مصلحة المواطن فقد اختارت المضي قدماً في هذا الاتجاه لاهتمامها الفائق بكل ما فيه مصلحة المواطن، فالدولة تضع مصالح مواطنيها من أهم أولوياتها، لهذا يتوجب على كل مواطن الابتعاد عن كل ما قد يضر بوطنه ويتجنّب مواطن الشر في كل تقنية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد