علي الخزيم
مِبخَرة العيد (بكسر المِيم) رمز من رموز احتفالات سكان المملكة ودول الخليج العربي؛ وكثير من الدول العربية، غير أن ارتباطها يُلازم مراسم الأعياد والأفراح عند أهالي الخليج العربي عمومًا منذ قرون مضت؛ إذ توارثتها الأجيال عن العرب الأوائل كما توارثوا عنهم منظومة السجايا والعادات الكريمة، ولا تكتمل رمزية المِبخرة -أو المِجمَرة- دون تصاعد دُخَان كثيف لطيف من حرق العود الأزرق (البخور) داخل المبخرة العربية، و(الأزرق) لأنه يُعَد من أطيب أصناف البخور، لهذا كان حضوره يحمل رمزية الكرم وإشعار الضيوف بقيمتهم وقَدرِهم عند الأسرة المُضيفة.
= ومهما ضَمَّخنا البشوت والثياب صَبِيحة العيد بصنوف وفاخر العطور فإن البخور والعود المُنبعث من المِبخرة له سحره ونكهته ومعانيه الجميلة وأحاسيسه الحَمِيمية بين الحضور؛ وكلما طاب شَذَاه اقتربت النفوس من الصفاء والنقاء؛ ذلكم أنه حين يتصاعد بالمجالس يَهمس لأنفس وقلوب الحضور بأرقى وأشرف المعاني التي يريد المُضيف أن ينثرها بين ضيوفه وأقاربه؛ وتأمَّل حينها التفاعل مع هذا المشهد الراقي صبيحة العيد وباجتماع الأهل والأحباب؛ فأكرم بها من مشاهد أخاذة؛ وهُنَيهات مِن البهجة بمراسم العيد السعيد.
= وتُبرهن الإحصاءات الرسمية للواردات والمبيعات للبخور والمباخر بأن المملكة العربية السعودية أكثر الدول استهلاكًا للبخور والعطور الشرقية المُنتَجة من البخور والصندل بأنواعها المتعددة، ولا غَروَ من ذلكم إذ إن عرب الجزيرة منذ القدم كانوا يختارون أفخر أنواع الطيب والعود والبخور من مصادرها خلال رحلاتهم التجارية أو ما يجلبه التجار الشرقيون، وكانت مجالسهم وخِيَمهم ومخادعهم لا تفقد روائحه الزَّكِيّة، كما أنه كان ضمن مراسم الضيافة وتكريم الزوار والوافدين؛ ولم يَزَل إلى الآن.
= والعرب أوائلهم وآخرهم حتى اللحظة يرون أن التطيّب بالعود مرتبط بمستويات الرفاهية والتَّنعُّم وعلامة على التميز؛ ويُعبّرون عن قَدر ذويهم وأحبابهم بإهدائهم أصنافًا من العود والعطور الشرقية الطيبة، ومنذ القدم كانت للعود ومشتقاته وعطوره أسواق مشهودة كما كان بسوق (دومَة الجَندَل) بمنطقة الجوف شمال المملكة؛ وبالمثل فقد اشتهرت مكة المكرمة بفاخر العطور؛ وكان (سوق عكاظ) المَوسِمي الشهير يزخر بأغلاها وأنفَسها، فهو ولَع وعشق متوارث عند العرب، ما زالت الأجيال تتمسك وتفتخر به؛ قال الشاعر عُمر بن أبي ربيعة:
(لِمَن نارٌ قُبَيلَ الصُّــبـ
ـحِ عِندَ البَيتِ ما تَخبو
إِذا ما أُوقِدَت يُلقى
عَلَيها المَندَلُ الرَطبُ)
والمَندَل من أفخر طيب العود.
= وتزدهر صناعة المَبَاخر من الأخشاب وهي الأطيب لئلا يتأثر أريج البخور إن كانت مصنوعة من مواد غير الأخشاب، وتتفوق عدد من محافظات المملكة بصناعة المباخر ذات الأشكال العربية الأصيلة بنقوشها وزخرفاتها المحفورة على جوانبها وأركانها؛ وقد تكون مرصعة بقطع معدنية جميلة بألوان الذهب أو بأشكال مُستمَدة من ألوان وبَهَاء الأحجار الكريمة؛ وتتباهى الأسر بتقديم البخور والعود بمثل هذه المباخر الجميلة النادرة؛ وهذا معيار آخر من معايير الرفاهية ورغد العيش وجودة الحياة التي تعيشها بلادنا الحبيبة بظل قيادة رشيدة مُخلصة؛ ومع إطلالة العيد السعيد وبهجته: هذه دعوة للعمل على استمرارية صفاء النفوس وتنقيتها من شوائب العلاقات وزائف الحكايات؛ طاب عيدكم.